دولـــــــة عيـــــال مجنونـــــــة

دولــــــة عيـــال مجنونـــــــة
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 " منشورات قصصية "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: " منشورات قصصية "   الثلاثاء سبتمبر 16, 2008 12:06 am

ساحة الانتظار

ساحة للانتظار مقاعد مبعثرة , ورود وأشجار , أطفال , رجال ونساء , ملتقى عاشقين ووداع مفارقين , دموع لرحيل وأحضان لقاء بين الأصدقاء . وسط هذا المشهد المعتاد لديه جلس على أريكته المفضلة, جلس مراقباً راح يتنقل بعينيه متأملاً الجالسين والسائرين , يعبث بيديه بين طيات معطفه حيناً ويجعلها متكأ ً لرأسه حيناً آخر وبين لحظاتٍ وأخرى ينظر إلى مخرج النفق المؤدي إلى الصوب الآخر من الشارع , لهفة النظرات في عينيه تؤكد أنه ينتظر شخصاً بالغ الأهمية ، لحظات الانتظار تقتله ومؤشر دقائق الساعة يعانده إذ جاءت حركاته أبطأ ما تكون بالنسبة له, مرت الدقائق وها هي ساعة ٌ تلو الأخرى تمضي وهو على حاله تحرقه اللحظات ولا يتوقف عن متابعة ضيوف ساحة الانتظار.
في النهاية لملم شتات عينيه ورحل ..
وفي المساء تكرر المشهد وازدادت حدة متابعته للجالسين لدرجةٍ أشعرت رجلاً وزوجته بالضيق من متابعته لهما وحدثت مشادة بينه وبين الرجل اضطر على إثرها أن يترك المكان , وجاء الصباح وقد حجز مكانه على ذات الأريكة مبكراً ولا يختلف المشهد كثيراً سوى ازدياد شوقه ولهفته للقاء مَن ينتظر ، ولو أننا رأيناه ألف مرةٍ لقلنا في كل مرةٍ أن شوقه ولهفته أكثر من سابقتها .. وبينما هو جالسٌ ينتظر وعيناه على ذات شتاتها بين وجوه الجالسين والعابرين إذا بصديق له يقترب منه مسلِّماً , ورغم حرارةِ السلام , إلا أنه كان واضحاً أنه ليس الشخص المنتظر إذ ظلت عيناه زائغتين هائمتين باحثتين متنقلتين هنا وهناك ,,
جلس صديقه إلى جواره , تجاذبا أطراف الحديث عن الحياة وما سارت بهما إليه بعد انتهاء الدراسة , يخبر كلٌّ منهما الآخر عن شيءٍ جديدٍ وما يلبثان فينتقلان بالحديث إلى ذكرى لحادثةٍ أو أمرٍ قد حدث فيما مضى وقت أن كانا زميلين في ذات الجامعة كل هذا وهو معه بلسانه فقط أما عيناه فلا تزال لاهثة ً باحثة ً عن مرادها ..
وما أن سأله صديقه هل تزوج أو خطب أم لا ؟
هنا فقط ركز بعينيه معه وراح يتكلم واللهفة عنوانٌ لكلماته
(نعم .. أجل .. أجل خطبت والزواج عما قريب)
وبينما صديقه يبارك له ,, قاطعه قائلاً
(كيف لي ألا أخطب وقد تجاوزْتُ الثلاثين من عمري , إنني أنتظرها الآن..
أتعرف .. هنا في هذه الساحة كان لقاؤنا الأول , ومن يومها وإلى الآن نتقابل هنا دائماً ) تعجَّب صديقه من لهفته الواضحة في الحديث عن خطيبته , نقل عينيه نحو أصابعه الخالية من عنوان خطبته ولكنه أعاد عينيه إليه ثانية ًً مشيراً بالنظرات والإيماءات إلى متابعته لحديثه باهتمام أما هو فاستطرد في حديثه دون أن يدع فرصة ً لصديقه أن يتكلم , راح يصف عشقه لها وعشقها إياه , وكيف تسير بهم الأيام بين هدوءٍ وعواصف.
(هنا يا صديقي , هنا أشرقت الشمس , هنا أضاء القمر , آهٍ لو تعرف كم أحبها , كم أذوب فيها عشقا ً)
وبينما يتحدث عادت عيناه مرة ًً أخرى تترك اتجاه رأسه المتجه لصاحبه وتمضي باحثة ً بين الوجوه والأعين .. وفجأة قطع حديثه عن الشوق المحتدم بينه وبين حبيبته التي ينتظرها قائلاً

(ولكنني أفكر في إنهاء خطبتي)
واستطرد مجيباً على التساؤلاتِ والحيرةِ التي انبعثت من عيني صديقه
(نعم .. نعم ..أفكر في إنهاء الخطبة فأنا لا أطيق غيرتها عليّ كما أنني لا أريد التقيد بهذا الحب فأنا كطير ٍ لا أستطيع أن ألبث في قلب فتاةٍ كثيراً) ...
قاطعه صديقه ناصحاً إياه ألا يهدم قصة حبٍ جميلة ثم طلب منه الإذن بالرحيل مبرراً ذلك لكونه قد تأخر على زوجته وأبنائه وتصافحا وافترقا على وعدٍ بالاتصال والتواصل....
رحل صديقه بينما ظل هو جالساً على مقعده ينتظر مرور الساعات التي تعاهد معها ألا تمضي إلا وهو على تلك الأريكة مشتت النظرات .
وتمضي الأيام والشهور وهو على عهده بذات الأريكة وذات ساحة الانتظار لا من صديق ٍ ولا من حبيبةٍ تأتي فتشاركه هذه الأريكه
وتتكرر الصدفة فيلقاه صديقه حيث ساحة الانتظار ، ولكنه هذه المرة أكثر سوءاً فقد طالت لحيته, واحمرت عيناه . السيجارة لا تفارق أصابعه المرتعشة .
كان السلام حاراً من قِبَل ِ صديقه وكلمات العتاب والاعتذار على عدم الاتصال تسبق المصافحة والقـُبـَل ولكن من جانبه جاء السلام فاتراً معلناً حالة ً من اليأس واللامبالاة مجهولة السبب والهوية .
تحادثا وكانت حالته السيئة هي أول ما تساءل وتحدث عنه صديقه وأجاب هو بأنه لا يوجد شيء مجرد إرهاق لا أكثر .
فسأله صديقه
(لعلك أنهيت علاقتك بحبيبتك ولهذا يبدو عليك الضيق ؟؟)
فأجاب مسرعاً
( لا لا .. لم أنهـِِهَا ونحن على موعدٍ اليوم ، ربما تكون قد تأخرَت قليلاً لكنها حتماً ستأتي , حتماً ستأتي , لا تستطيع ألا تأتي , إنها إن لم ترَني يوماً تشعر بالضياع بالحيرة بالفقدان,,,
إنها ... إنها ......)هنا انهارت رأسه فتلقاها براحة يديه حاجباً النور عن عينيه جاعلاً من كفيه ستاراً لبكاء رجل عظم عليه البكاء
ربما استطاع أن يخفي دموعه عن أعين صديقه ولكن صوت الأنين لم يكن خافياً عن صديقه وعن مسامع بعض الجلوس
وجاءت الكلمات من بين شفاهه مكتومة ً مرتعشة ً محطمة ً
( إنها لن تأتي ويوماً لم تأتِ ويوماً لم تكُن )

_________________


عدل سابقا من قبل The President في السبت أكتوبر 18, 2008 12:55 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فرناندو توريس
محـافظ مجنون
محـافظ مجنون
avatar

عدد الرسائل : 488
العمر : 27
Localisation : المنزله _ دقهليه
تاريخ التسجيل : 04/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الثلاثاء سبتمبر 16, 2008 8:05 am

جميله

قصه اجبرتنى على متابعه النهايه وليس المرور فقط
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ar2mlaak
محـافظ مجنون
محـافظ مجنون
avatar

عدد الرسائل : 2515
تاريخ التسجيل : 09/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الثلاثاء سبتمبر 16, 2008 12:12 pm

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ كمل
رائعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الثلاثاء سبتمبر 16, 2008 3:53 pm


الــــــــذئبُ وخيــــرُ النســـــــاء

قرية ٌ ريفية , منازل متراصة ٌ بشكلٍ غير مرتب , أحلام مبعثرة لرجالٍ ونسوةٍ تمكن منهم النعاس منذ قليل, أحلامهم أبسط من أن تصفها الكلمات , رائحة الزرع تلف المكان تكسوه عبقاً وزينة , أصوات الضفادع هي أنيس الساهرين, إلى جانب هذه القرية ترى منزلاً شبه منعزل , متهالكاً بعض الشيء , جدرانه خشبية سقفه من العشب.. من الداخل , أثاثٌ قليل , إناءٌ يحمل بقايا طعام , صغارٌ نائمون يجمعون حصاد أحلامهم على أملٍ بنور الشمس بعد ساعات . ضوءٌ خافت ٌ لمصباح ٍ قديم, صوتٌ نسائي ناعمٌ يردد مع مذياع صغير ( امتى الزمان يسمح يا جميل ) راحت تشدو بها منتظرة ً زوجَها حتى يعود , جلست متكئة ً في ثوبٍ أسودٍ تداعب بأصابعها أطراف شعرها الناعم, قسَمات وجهها تحتفظ بأنوثةٍ وجمال ٍ تتحدى بهما ضيق الحال وقسوة الأيام .
فجأة تتوقف عن الغناء تعدل من ملبسها تقترب من الباب ملبية ً نداء طرقاتٍ قاسيةٍ جاءت على غير موعد ..أسرعت نحو الباب , ذهبت بسمعها إلى الجهة الأخرى من الباب سائلة ً ( من الطارق ) فجاء صوت غليظ معلناً( أنا منشاوي ) سمعت الاسم فإذا بدقات قلبها كطبول ما قبل الحرب, إنه خفير البلدة الذي لطالما راودها عن نفسها مستخدماً كل الإغراءات ولكنه لم يجد منها دوماً سوى الرفض العنيف . ورغم الخوف الذي امتلأ به كيانـُها جاءت كلماتها واثقة ً حادة ( خيراً يا خفير بلدتنا زوجي ليس هنا )فأجاب ( أعرف وقد جئت أخبرك أنه قد أصابه مكروه في المصنع وتم نقله الي المشفى وقد جاءت إلينا إشارة من مأمور المركز بـ... ) قطع كلامه صوت الباب الذي فتحَ فجأة.
جاءت من وراءه مندفعة ً ولكنها عادت لتحمل غطاء رأسها وتمد يدها أسفل وسادتها لتلتقط جنيهاً تاركة ً أبناءها في نومهم .. راحت تمضي مسرعة ً يلاحقها الخفير في الخطوات والكلمات ،لا تكف عن الكلام ولا تدع له فرصة ً ليجيب إجابة ً كاملة ً عن تساؤلاتها
ماذا حدث .. كيف أصيب ... هل.. لماذا .. كيف .. تأتي الكلمات متعاقبة ً مغلفة ً بصوت الحزن والخوف ورعشة النبرات , كلمة ٌ واحدة ٌ كانت تخرج صافية ً واضحة الملامح ( أستر يارب ).
غابت البلدة وراءهم وطواها الطريق وقبل الوصول , توقف الخفير فجأة وبقسوةٍ كبَّـل بإحدى يديه شعرها ووضع الأخرى على فمها قائلاً ( ليس بزوجك شيء ,لقد جئتُ بكِ إلى هنا حتى أروي عطشي منكِ والآن تبكين تصرخين تركضين لن تَجـِدِي إلا أنا وعصاي اللعين )
تجمدت مذهولة ً لا تقوَى على فعل أي شيء , قاومَت ثم من جديد تجمدت اختفى صوت الضفادع وكأنها هي الأخرى قد اغتصبت حق النداء أو أنها تراقب المشهد في ذهولٍ ورعب وحل صوت دقات قلبها التي جعلت منها صرخة ً تقلق النائمين في القرية البعيدة وترجوهم بها المساعدة .
جذبها بقوةٍ نحو ( ساقية ) على جانب الطريق زحفت قدماها وراء جسدها المكبل بيديه ذاهبة لتلبي نداءاً للموت.. وإلى جوار الساقية راح يتلمس جسدها كذئبٍ قبيح ٍ يسيلُ منه اللعاب عفن الرائحة كل هذا وعيناها مفتوحتان وجسدها كقطعة خشبية ترفض أن تلين , نزع عنها غطاء شعرها ورفع عباءتها فظهر له من جسدها ما أطار عقله..
ألقى العصا من يده وراح يخلع عنه جلبابه مسرعاً تعثر الجلباب في رقبته وما أن غابت عيناه بين طيات جلبابه جمعت هي شتات ذهنها في لحظات , لملمت قواها وأسرعت نحو العصا وبضربةٍ قاسيةٍ على رأسه سقط الذئب مغشياً عليه, جاء دوي صرخته قوياً ففك أسْر الضفادع من جديد فراحت تغني طرباً لها ، ارتدت عباءتها ودون أن تعي ما تفعل سحبته من قدميه , كان بجسده الثقيل كقطعةٍ ورقيةٍ لها أن تقذف بها حيث أرادت , ألقت به إلى قاع الساقية وبقوة راحت تسحب الساقية .. دورة .. دورتان .. ثلاث ..أيقنَت الآن أن بقاياه وأشلاءه سيصعب أن تتجمع ثانية ً .
وفي طريق العودة بكت وتبسمت , صرخت وتجهمت , وصلت المنزل فإذا بصغارها نيام اقتربت منهم ألقت بجسدها المرتعش إلى جوارهم ، يداها تضمهم والعَبَرات في عينيها من نزفها تألمت قامت وتناست ارتدت أبهى ما عندها ووضعت العطور وانتظرت زوجها وتهيأت ...وإذا بطرقاتٍ رقيقة ، اندفعت نحو الباب ودون أن تسأل فتحت ألقت بجسدها بين ذراعيه الواهنتين , سألها ( ما بكِ ؟ ) أجابت (اشتقت إليك) , سألها (أكان اليوم عيداً ولم أعرف؟) فأجابته (نعم اليوم عيد وغداً ستعرف) ، ضحكا وتناولا العشاء وراحت تنسج بين أحضانه معانٍ للحب لم تنسجها من قبل خلد الزوج للنوم أما هي فعيناها لم يطرق النوم بابهما اقتربت من أذن زوجها وبصوت دافيء حنون رددت ( سامحني يا زوجي الحبيب ) سمعها الزوج ولكن النوم كان أقوى من أن يجعله يتكلم , وجاء الصباح سريعاً أيقظته وأيقظت صغارها تناولت معهم طعام الإفطار , قصَّت على زوجها ما حدث وطلبت منه أن يصطحبها إلى الشرطة . ضمت أبناءها ضمة ً أخيرة ً وطواها الطريق برفقة زوجها , يدها تتشبث بيديه تنظر إلى طريقها ولا تتكلم , تتذكر صوت المذياع يرنُّ في أوصالها بكاء أبنائها يضعف قواها صوت الضفادع يأتي من بعيد صورة لذئبٍ قبيح .. المذياع .. بكاء .. صراخ .. ضفادع .. ذئب . أغمضت وضغطت على يد زوجها ومضت . وزوجها إلى جوارها لا ينظر إليها حتى لا ترى عينيه التي تسكب دمعاً وراح يبادل ضغطات يديها بضمات حنونة من راحة يديه مخبراً إياها في صمتٍ أني إلى جوارك .
وبعد شهور جاء الحكم بالسجن خمسة عشر عاماً , وكان أن سألها أحدهم بعد سنوات كسنوات العزيز يوسف ( أنادمة ٌ على ما فعلتِ ؟ ) فأجابت( لا لست نادمة ولو عادت بي الأيام ألف مرةٍ سأقتله ألف ألف مرة ) ..وسأظل حتى مماتي أطلب من زوجي الغفران
إذ رأى غريب ولو للحظات من جسدي ما ليس ملكي ولا ملكه إنما هو مِلكُ زوجي فليغفر لي ربي وليسامحني زوجي
قالتها باكية ً وعيناها تنزف من الدموع ما يغفر ذنوب النساء جميعاً وكيف لا يغفر ذنوبهن وهي خيرهن نعم كانت وستظل خير النساء.



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الأربعاء سبتمبر 17, 2008 3:24 pm


جثة على الطريق

وقف أمام المرآة يعدل من ملابسه كعادته كل يوم... متأهباً للخروج إلي عمله... وبينما يديه تعدل من هيئة رابطة عنقه توقف عن الحركة متأملاً... أطال النظر للمرآة وكأنه يرى نفسه للمرة الأولى.
إنه في الحقيقة لم يكن ينظر إلي ملامح وجهه ولكنه كان ينظر إلي ذاته... تلك الذات التي ترفض التغيير... نقل عينيه من داخل أعماقه إلى هيئته الخارجية...إنها نفس رابطة العنق التي تعتصر عنقه أكثر من أن تهذب من هيئته انه ذات المعطف وذات القميص وذات الساعة وذات العطر... تَعَجَّبَ قائلاً في صمت:
لِمَ هذا الروتين؟ لابد من التغيير.. كل شيء ينادي بضرورة التجديد والتغيير وتساءل لِمَ يكون التغيير بين يدي وأرفضه ؟
توجه نحو خزينة ملابسه أطلق يديه ليخرج ملابس كان قد اشتراها منذ فتره ثم قنينة عطر لطالما قال إن عطرها صاخبا وقد أخطأ يوم أن اشتراها وأيضاً ساعة اليد تلك التي كثيراً ما قال أنها أكثر ما أُهدي إليه شباباً وجنوناً لا يناسب شخصيته الهادئة..
ألقي رابطة عنقه بعيداً ثم بدأ يخلع عنه الملابس التي ألِفها جسده بحركة سريعة ثم راح يرتدي ملابس أخري جديدة عليه قديمة في الشراء هذا وبسمة عريضة لم تفارق وجهه وربما كانت بسمة السخرية من أفعاله التي كان يراها غير مبرره.. لكنه كان يشعر بشيء من السعادة جعله يكمل ما عزم علي فعله... أخيراً خرج صوته محدثاً ذاته "وليكُن يوم التغيير"... ثم أطرق صامتاً يرسم ملامح هذا التغيير... لن أقرأ الجريدة... لن أعبث في التلفاز... لن ألقي بتحية الصباح علي جاري الذي ألقي التحية عليه قبل أن أراه ويردها هو قبل أن يسمعها...
أغلق الباب خلفه بقدمه كما لم يفعل من قبل... وجد جاره في وجهه نظر إليه ثم ابتسم وحول نظره إلي الدرج ورغم أنه لم ينطق تحية الصباح جاء رد تلك التحية من جاره كما توقع...
طوى درجات السلم في قفزات معدودة وما أن نزل إلي الشارع نظر أمامه ثم قال في نفسه "كما سأغير هذا الطريق الذي اعتادني واعتدته ذهاباً إلي العمل وإياباً منه... قد يكون الطريق الآخر بعيداً بعض الشيء ولكن لما لا نراه"
وبالفعل مضت خطواته المسرعة قدماً نحو ذلك الطريق, تلك الخطوات التي دوماً ما كانت اهدأ الخطوات.
لا يعرف لماذا جاء صوت دقات قلبه عالية, حاول أن يخفي صوتها بأن يردد إحدي الأغنيات التي لطالما يغنيها ولكن لسانه هو الآخر طلب التغيير فراح يغني أغنية لم يكن يعرف انه يحفظها ويتقنها بهذا الشكل فهو لم يرددها يوماً....
"ما أجمل هذا الشارع بما فيه من سيارات وحركة من البشر"... قالها ليسمع أذنيه بها وكأنه يريد أن يقول لنفسه أنه علي حق في التغيير.
وبينما هو سائر إذا بصوت دافئ يناديه
"سيدي... عفواً... سيدي ...."
التفت باحثاً عن مصدر الصوت... نظر فإذا بها فتاة في العشرينات من عمرها ملامحها الجميلة وروحها المرحة تسبق خطواتها فتأتي إلى الدنيا بنور غير نور الشمس وعبير أروع من عبير الزهر.
توقف صامتاً حتى تقترب منه ويتبين ماذا تريد... وقد كان
ألقت التحية بصوت رقيق فردها بصوت مكتوم،مدت يدها بورقة تحمل عنوان وطلبت منه أن يرشدها إليه... وكم تعجب أنه عنوان الشركة التي يعمل بها, أخبرها الطريق بكلمات مشوهه فقد كان عبير عطرها بمثابة مخدر أفقده القدرة علي خروج ألفاظه واضحة وحتى دون هذا العطر كان بداخله يعرف سر تعطل قدرته علي الحديث بطلاقه فعالم المرأة أغرب العوالم وأبعدها عنه... فهو رغم أنه في الثلاثين من عمره لم تدخل حياته إمرأة بعد رحيل أمه سوي خادمته العجوز التي تحتاج إلي من يقوم بخدمتها والتي تأتيه مرة كل أسبوع لترعي شئون منزله في عُجالة وكثيراً ما تمرض ويتحول سريره سريراً لها ويتحول هو خادمها إلي أن تسترد عافيتها وكثيراً ما كان يقول أنه وهذه الخادمة جزعين من شجرة واحدة اسمها الوحدة.
أخبرها الطريق ولم يعرض عليها أن يصحبها... شكرته وسارت أمامه ولا يعرف لِمَ أصبحت خطواته أبطأ وأبطأ وكأن خطواته تريد أن تبعد المسافة بينهما ولكنه فجأة صرخ في وجه ذاته "ولم لا.. ؟"
فهتف بسرعة منادياً إياها "سيدتي.. سيدتي .." ثم اقترب قائلاً "إنني أعمل في ذات الشركة ما رأيك لو اصطحبتك إلى هناك"جاءت الكلمات منه أكثر وضوحاً من سابقتها عندما كان يصف الطريق و أجابته بقبول العرض بكل طلاقة وثبات وفي الطريق تجاذبا أطراف الحديث وعرف أنها ستكون موظفة الاستقبال في تلك الشركة... كما عرف أنها انتقلت للعيش هنا منذ أيام قلائل بصحبة والدتها وأن هذا الطريق سيكون طريقها كل يوم ولم ينتهي الحديث وتم الاتفاق علي العودة سوياً.
وها هو يجلس سارحاً في عمله متعجباً من ذاته التي استجابت للتغير بشكل أسرع مما كان يتخيل... وراح يتذكر كل كلمة قالتها... مرت الساعات وتقابلا عائدين واستكملا حديثهما الذي طوي الطريق ولم ينتهي بعد وتواعدا علي اللقاء في الغد... وهكذا كل يوم يطوي حديثهما الطريق ذهاباً وإياباً دون أن ينتهي .
وتمر الأيام ودرجة التغيير تزداد حدة... خاصةً بعد موافقتها بأن يتقابلا بعد العمل في إحدي الحدائق القريبة... وكان كلما وجد في عينيها سعادة لتصرفاته المرحة تمادى في طيشه لدرجة الجنون...وتحول لسانه المعقود إلى مطرباً... وجسده الهادئ ممثلاً... وروحه فراشةً لا تتوقف عن التحليق... تناسى ساعته القديمة ورابطة عنقه وذاك الطريق الآخر الذي ربما كان الأقرب والأكثر هدوءا ولكنه راح يمقته يوماً بعد يوم...
كانت دوماً تحدثه عن إعجابها بجنونه وطيشه فكان يطرق في صمت وينظر داخله "هل أنا حقا كذلك... ؟" وكانت كلمات الإعجاب تلك تدفعه أكثر وأكثر للجنون...
كانت في عينيه ساحة للهو والمرح يعيش فيها ما لم يعرفه من قبل من الحرية والجنون... وكان في عينيها الصديق والأنيس في بلد لا تعرف فيه أحد سواه...
شهور علي هذا الحال وحبها يتسرب داخله دون أن يشعر... وعندما تمكن منه هذا الحب عزم على مصارحتها... لم يقترب النوم من عينيه في تلك الليلة...
وجاء الصباح متأخراً علي غير عادته... تقابلا فإذا بلسانه قد عادت عقدته من جديد ومضي الطريق سريعاً كعادته بصحبتها ولكن هذه المرة وهو صامت تماما ومضي وقت العمل وهو يفكر فيها ولا بشيء غيرها... وفي طريق العودة استجمع قواه بعد طول عناء وبدأ يتحدث عن حبه إياها وطلبه لتكون شريكته في حياته...وجاء ردها علي مهل.... وراحت تطيل في مقدمات لا طائل منها تعبر له عن مدي سعادتها بقربه وإعجابها بشخصيته المرحة في بعض الأحيان المجنونة في أغلب الأحيان...
كان قلبه يرتجف من تلك المقدمة التي رسمت الجواب رفضاً قبل أن يأتي... فطلب منها الجواب سريعاً وأنه لا داعي لتلك المقدمات
وجاء ردها بقليل الكلمات يفيد أنه قد يكون الأنسب لعلاقتهما أن تظل في إطار الأخوة والصداقة فإن صفاته المرحة المليئة بالجنون والعبث لا تتفق مع صفات رجل أحلامها الذي تمنت فيه من الهدوء والاتزان ما لم تجده في شخصه... وطلبت منه ألا يتضايق وأكدت له أنه سيبقي أعز صديق... تثاقلت خطواته بينما تسارعت خطواتها فافترقا قبل أن ينتهي الطريق... وسار وحيداً إلى منزله يتذكر حديثها ساخراً من نفسه صامتاً باكياً واجماً...
صعد إلي شقته يقتله درج السلم... ألقي بالتحية إلي جاره فلم يردها عليها أدار المفتاح في الباب فكأنما كان يديره في رأسه دخل إلي غرفته ألقى ملابسه عنه ثم اخبأ جسده بين طيات غطاءه وراح يبكي.....
ومضي اليوم وجاء الصباح وها هو يعدل من رابطة عنقه أمام المرآة ويمد يديه ليأتي بالمعطف وقنينة العطر الهادئة ثم يمضي إلي الجريدة قارئاً ثم إلي التلفاز عابثاً ثم يخرج في بطء ليقابل جاره يلقي بالتحية فيردها جاره.
نزل متجها بخطواته الهادئة إلي طريقه القديم فإذا بأحد المارة يوقفه ويخبره أنه ربما كان من الأجدر له الذهاب إلي عمله من الطريق الأخر إذ أن هناك حادث بهذا الطريق وأسفر عن جثة ملقاة ببشاعة علي الطريق
فأجابه :
"إنك لمخطيء يا سيدي بل إن الجثة ملقاة منذ أمس علي الطريق الذي تنصحني بالذهاب منه"


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الخميس سبتمبر 18, 2008 3:36 pm


الجـــــوع

ثارت عليهم صرخاتها الحارقة وراحت تؤنبهم وتلقي اللوم في وجوههم الصامتة..تدفع قلبها بيدها اليمنى وكأنها تمنعه من تنفيذ قرار قد اتخذه،،تستند على جدار شرفتها الخارجية بيدها الأخرى حيث لا تقوَ قدماها على حمل أنفاسها المهلهلة.
كيف تركتموه يخرج وحده؟وكيف غفلتْ أعينكم عن مراقبته؟وكيف فتح الباب دون أن تلاحظونه؟!
هرعوا في سرعة وفزع للبحث عنه بينما هي لم تقوَ على الانتظار, ورغم محاولات جارتها لتهدئتها وإقناعها بالمكوث فهي لن تستطع فعل المزيد,,إلا أن أجزاءها أسرعت _الواحدة تلو الأخرى_تركض نحو الخارج بعد أن هوَت نبضاتها من شرفتها للبحث عن ولدها هنا وهناك.
---------------------------------
واحد...اثنان...ثلاثة_،،،_واحد اثنان ثلاثة...سبعة...أربعة...تسعة
أنا سعيد جدا لأنني أعدُّ حبات الرمال دون أن يوبخني أحدهم... أغبياء..هم يحسبون أنني ألهو بها، لكنني أعدها فقط كي أعرف كم هي؟؟،،، واحد..اثنان ...ثلاثة...سبعة...أربعة...تسعة_
يا إلهي ،،،،إنها كثييييييرة جدا ولا تزيد عن التسع حبات... وقد تعبت من عدها......
أريد بعض الماء ،،،الجو حار جدا
نظرات تنم عن سعادة مفاجئة...ثم أنفاس لاهثة...ثم كلمات قد لا يفهمها آدمي...وليس قطة!!!
كم تلك القطة المنقطة جميلة...سأذهب للعب معها
ما اسمك يا قطة؟؟أنا عليّ
لماذا تنظرين لي هكذا وتصمتين؟؟ألا تعرفين اسمك!!!!
لا عليكِ...هيا نلعب سويا لعبة القطة والفأر....كما كان يلعبها الأطفال في الشارع المجاور هناك...نعم هناك عند منزلنا...كنتُ أشاهدهم من الشرفة...هيا نلعبها معاً،،أنا القطة وأنتِ الفأر
تباً،،،حتى القطة المنقطة...تركتني ومضت ورفضت اللعب معي...هي أيضاً غبية...مثلهم...أنا لا أحبها
سأذهب لألعب في ذاك الشارع المضيء ...وأتركها هنا في الظلام...وسأضربها بشدة لو لحقت بي
نعم سأضربكِ لو لحقتِ بي وأجعلكِ تبكين...هل فهمتِ!!!!

-----------------------------
تنهال دموعها لتحجب عنها وضوح الرؤية،تعترض نبراتها المتلعثمة مسيرة كل العابرين والواقفين على جنبات الطريق في ذاك الوقت
أرأيت طفلا في العاشرة ...قصيرا بدينا ذا وجه متسع دائري وأنف مضغوطة...يرتدي سترة زرقاء ويسير بمفرده من هنا؟
وحيث أبدا لا إجابة تشفي عليلها,كانت أنظارها تبحث عنه في كل مكان_بين الأزقة_على الأرصفة_قلب أعين المارة_وداخل السيارات.
------------------------------
لا تقلقي يا سيدتي، فأنتِ بخير والجنين بداخلك يتنفس بانتظام_ولكن!!
ولكن ماذا يادكتور؟
قد لا يولد طفلك في حالة طبيعية
قاطعته قبل أن يكمل برعشة منكسرة
كنت أعلم على غير يقين
عاد ليكمل آسفاً :::
غالباً وقد قلت لك من قبل،،قد يعود الحمل_ بعد سن الثلاثين_ بالأثر السلبي على الجنين وقد يكون على الأم أيضاً..ولكني أؤكد أنكِ بخير..وتستطيعين القيام بمهام صعبة تنتظرك بعد وضع طفل سيكون له احتياجات من نوع خاص.
------------------------------
صعد الحزن على أكتافها حتى بلغ مراده وراحت دمعاتها تحكي ما بداخلها من وجع
لمَ ترك المنزل ومضى حيث مضى!!لمَ خرج وحده!! هي المرة الأولى التي يفعل فيها مثل تلك الفعلة
لابد وأن أحدهم ضايقه بكلمة أو فعل ...أعلم أنهم لا يُقدرون...أعلم أنهم يكرهونه
ترى لأين ذهب وماذا أصابه!!
ثم أتبعت صارخة،،،_حتى أن رواد الشارع جميعهم تعاطفوا معها وراحوا يبحثون عنه :::::
أين أنت يا ولدي أين أنت؟
-----------------------------
ابتسامات بلا هوية..ثم همهمة عالية بعض الشيء حتى أنها اجتذبت أنظار الناس من حوله
السير وسط تلك الأضواء المبهجة، والسيارات، والناس كثيرون، شيء يفرح القلب_آآآه ... الآن فقط عرفت سبب سعادة إخوتي عند عودتهم للمنزل ليلا_ ولطالما حلمت أن أخرج وحدي مثلهم دون قيود أمي وقيودهم،،
ثم أتبع بصوت غاضب مرتفع حتى أن كل من كان يسير بقربه انتفض وابتعد عن طريقه خوفاً منه:
لكم مللت غضبهم الدائم مني، وخجلهم من التواجد معي بمكان، وحصار أمي المريض الغبي
ثم جلس على أرض الطريق متربعاً...وقال مبتسما حالماً:::
كم حلمت أن ألعب الكرة مع أطفال الجيران أمام منزلنا...ولكنهم...ولكنهم أغبياء..هم أيضا لا يحبون اللعب معي،،رغم أنني أتقن لعب الكرة..نعم أتقنها
ثم ألقى بحجر في الهواء وأمال بجسده كي يلتقطه قائلا:::
وهل يستطيع أحدهم أن يلقف الكرة هكذا؟!!!!!
وبعد أن اصطدم الحجر برأسه صاح غاضبا:::
ما أغباك من حجر...
راح ينظر للسيارات وكأنها لعبات صغيرة تدور في دائرة لا نهاية لها،،ثم عاد بعد تأمله ليكتشف من جديد أنه وحده بين الطرقات كما كان يحلم دوما
فتخرج فرحة صادقة صافية من عينيه الزائغتين و فمه المفتوح وهو يقول:::
وها أنا أحقق أحلامي_فأنا لست فاشلا كما يزعمون،،وأستطيع أن أحقق أحلامي وحدي..
--------------------------------
كم أنا فاشلة،، ومقصرة في حقه،كان يحتاج مني لمزيد من العناية ،،كان يجب عليّ أن أهتم به أكثر،كنتُ أنا من يجب أن تراقبه دوما ،ولا أعتمد على إخوته ،فأنا أعلم جيدا ما يختبئ بسريرتهم.
أخذني عملي منه وتركته كثيرا وقت كان في حاجة إليّ،،،تركته لمن لا يقدرون احتياجه لحنانهم......لماذا!!
لماذا دوما يشعرون به حملا ثقيلا فوق أنفاسهم،أليس أخيهم؟ويحتاج جزءا من رعايتهم وحمايتهم وحبهم أيضا...سامحهم الله!!!فالكلمات لا تجدي معهم...والعظات ليست لمثلهم...أصحاب القلوب اللا مبالية
ترى أين أنت يا عليّ! عد إليَّ يا ولدي وارحم قلبا بداخلي يتألم.
------------------------------
أخذته خطواته العبثية حتى هنا_متجر لألعاب الأطفال:::
أريد بعض الماء البارد،،،الجو حار
لا بل إني جائع .........ولكن لا يوجد هنا طعام
هنا....هنا....هنا لعب جميلة وأطفال أجمل...لستُ جميلاً مثلهم....نعم
لذلك لا يحبني إخوتي؟؟ولم يقدموا لي يوما لعبة مثل تلك؟؟....ربما!!!
ألذلك أيضاً أبت أمي أن تُدخلني إلى هنا؟!!
هنا....هنا أيضا كرات جميلة ملونة،،ها هي...أريد واحدة،، أريد واحدة...سأدخل لالتقاط واحدة ثم ألعب بها وحدي......
ماذا تفعل يا ولد؟أين نقودك ؟!!
ولا إجابة سوى تلك النظرات الزائغة التي لا تحمل لمن يراها سوى اللا شيء
أخرج من هنا هيا...أخرج ...
------------------------------
راحت دمعاتها تتذكر وجهه البريء وتبحث عنه بين ملامح الأطفال في متجر اللعب عبر تلك النافذة الزجاجية:::
أمي...ماهذا المكان الجميل؟
أنه متجر للعب ...لعب الأطفال
هيا ندخل إلي هناك إذن...
فيما بعد يا عليّ...أنا على عجلة ولم يعد أمامي متسع من الوقت،،،
لا تعطلني أكثر
عاودت زهرة الوجع بداخلها...لتفرز رحيقها من جديد،،،
لست أماً.....سامحني يا عليّ
أين ذهبت يا ولدي؟وكيف أنت؟ توحشتك كثيرا
----------------------------
هل تعلمون لماذا غادر عليّ المنزل؟
قال الأخ الأصغر...لأنه غبي...طبعاً
ثم عاود قائلاً:::
لا بل ليجعلنا نبحث عنه طوال الليلة، هو هكذا لا يجلب لنا سوى المتاعب
قاطعهم الأخ الأكبر قائلاً:::
بل رحل ليبحث عن طعام لأنه جائع....نعم
خرج باحثاً عن حنان لم يجده بيننا...خرج عندما سنحت له الفرصة ووجدنا عنه معرضين..خرج هاربا من جفاف لمسه بداخلنا...
أتذكرون يوما من ألف يوم؟؟!!!::::


اسمع يا عليّ لو جلست في غرفتك هنا ولم تخرج أبدا لأحضرت لكَ قطع الحلوى التي تحبها
بل أريد أن أخرج وأجلس معكم..أنتم وأصدقاءكم
أنت تثير ضجيجا وأفعالا مقززة يا علي أينما تجلس ،،اسمع ما أقوله لك
لا... سأخرج وأجلس معكم...لا أحب الجلوس وحدي...
هكذا؟إذن لو خرجت من الغرفة سأضربك بشدة وأجعلك تبكي...هل فهمت!!

كم كنّا قاسين عليه عندما كنا نضربه...نحن لا نصلح إخوة له..لا بد وأنه يكرهنا كما نعامله معاملة جافة
هبّ شيء خفي بقوة ليدفع بهم راكضين..هنا وهناك،،يقطع نداءهم خيوط الضوضاء بالشوارع المزدحمة
أين أنت يا عليّ....عد يا عليّ.....أين أنت يا أخي
------------------------------
انتبهي،، فعلي ّيحتاج منكِ لرعاية خاصة وكثيرا من الجهد...كي ترتقي بمستوى تفكيره وتنمية قدراته على التعلم والنطق السليم ..و مع الوقت سيصل إلى مستوى عقلي مقبول جدا وسيتقارب مع الأطفال الطبيعين من نفس عمره...
وهذا سيتطلب منكِ ومن جميع أفراد الأسرة والمحيطين به جهداً كبيراً،،،فقط لا تهملي الأمر والنتائج عندئذ سترضي الجميع... لأن عليّ يحمل استعدادا قويا للتعلم والفهم ...يتجلى في نظراته الناطقة تلك
غير أنه يمتلك حِسّاً مرهفاً قد لا نجده بين أطفال عاديين من نفس سنه
ابتسم عليّ فَرَحا،، تُلقي نظراته على طبيبه المعالج أوسمة التحية..وعبارات الإعجاب بفطنته وروحه لأنه الوحيد في هذا العالم الذي يفهمه...ويشعر به
ثم أردف الطبيب في ابتسامة::::
أراكِ لاحقاً... في انتظاركَ يا عليّ
شكرا يا دكتور،،،هيا بنا يا عليّ
--------------------------
أين أنت يا أمي.؟إني جائع ،،وتعبت من كثرة السير
كما أنني توحشتك كثيراً...أريد أن أعود للمنزل
ولكن كيف؟؟لا أعرف كيف العودة؟؟

نظرات فقدت صوابها تفشل في تحديد مكان لها تتوه بين أعين كل المارة،،هائمة على وجهها دون ملجأ أو عنوان:::ثم كلمات متكسرة غير واضحة المعالم للجميع:::
...ياعم...أريد أن أعود للمنزل
ماذا تقول؟؟،،،لا أفهمك!!
أريد أن أعود لأمي...هناك عند منزلنا...ألا تعرفه أنت أيضاً!!
ترى ماذا يقول هذا الولد الغريب،، وما الذي يجعله يمشي بمفرده هكذا ،،ليتني أعلم عمّ يتحدث!!
ظل يسير وحده بلا هدف يتحدث ولا أحد يفهمه ممن تحركت لديهم مشاعر الشفقة عليه ..يبتعد عنه البعض الآخر ناظرين إليه بازدراء واشمئزاز...
هذا الرجل يشبه صورة والدي،،لابد وأن ابنته تلك التي تصاحبه تنعم بحياة هانئة
لو كان أبي على قيد الحياة لكنت خرجت بصحبته///أين أنتِ يا أمي؟؟؟

إني جائع
--------------------
تعالى الصراخ ليلف المكان بكل ما يحتويه
أين أنت يا علي؟؟؟؟ أكاد أموت بدونك
أين ذهبت يا صغيري
----------------------
ركض مسرعاً نحوها عندما دلّ نداءها الملهوف على مكانها بالقرب منه
ركض معلنا عن وجوده بقربها وسط الزحام
أمي.....ها هي!!!
وصوت السيارات والضوضاء ونداءاتها العالية كلها حوائل بينها وبين نداءه
نبضات فرح لاهثة وخطوات مسرعة غير منتظمة بلا حارس أو أمين..هدفها فقط اللحاق بأمه قبل أن تغيب عن أنظاره ::::
سيارات ذات عجلات همجية تعدو هنا وهناك دون حاكم لها...لتأتي أحدها فتعترض طريق ركضه العفوي
وكأنها تأبى وصوله لغايته...وفجأة.....يكبح سائقها جماحها المنطلقة_ لتصدر صوتا عالياً يستدعي الأم الباحثة عن ولدها الصغير،،يمتزج بنداء خائف مُشوّش
أمي....أمي
فتقف مجبرة ناظرة وراءها لترى صغيرها يقف أمام السيارة وقد ابتلت ملابسه خوفاً....وجموع الناس تجتمع للإطمئنان عليه....ركضت وكأنما تطوي الأرض تحت قدميها في خطوة واحدة
ضمته بين ضلوعها الحارة المتلهفة عليه...ثم قالت صارخة:::
ولدي..صغيري...هل أنت بخير!!!
لماذا فعلت ذلك يا عليّ...أو هكذا تترك أمك التي تحبك ،،وتمضي وحدك دون أن تخبرها
أخبرني لماذا خرجت وحدك؟؟؟؟
أجابها بنظرة تائهة خافتة::::
إني جائع جداً

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ar2mlaak
محـافظ مجنون
محـافظ مجنون
avatar

عدد الرسائل : 2515
تاريخ التسجيل : 09/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الخميس سبتمبر 18, 2008 10:40 pm

قصص رااااااااااااااائعه فعلا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الجمعة سبتمبر 19, 2008 10:40 am

صرخـــــات

انطلقت تلك الصرخات من أعماقها لتملأ أركان الغرفة (غرفة العمليات) وتعلن عن حلول لحظة طالما حلمت بها وانتظرتها شهوراً طويلة .تلك اللحظة التي ستضع فيها قطعة منها ومنه .ثمرة زواج دام عاماً واحداً..عام من السعادة والهناء. تعلو الصرخات وتعلو معها اللهفة في جني الثمار بعد التعب وما بين كل صرخة وصرخة لقطات من حياتها تتسابق أمام عينيها.
ملاك حنون يربت عليها برفق وشبح أسود مخيف يحمل بيده سكين ليقدم عليها ويطعنها بها..دموع حزينة ووجه بريء صغير يبتسم في وجهها. .صندوق من الأحزان والآلام ينسكب في طريقها وهي تسير وبرواز ثمين لصورة أمها التي لم ترها ولم تنعم بحنانها .....وتتوالى اللقطات تشاهدها لتتجسد حياتها أمام عينيها فتعيشها من جديد.

لم تشعر بالحرمان مثلما تشعر به في هذه اللحظة .كانت تتمنى أن تشاركها أمها ألمها وفرحتها الآن.أمها التي حرمها القدر من أن تراها.....ولكنها تراها الآن أمام عينيها وهي تتألم لحظة ولادتها لها بل إنها تسمع حتى صرخاتها تملأ أذنيها..صرخات آلام الوضع ممزوجة بصرخات التعب من الدنيا وما صنعته بها بعد أن توفي زوجها بعد صراع مع المرض ليتركها وحيدة لا أب تلجأ إليه ولا أم تطرق بابها... تواجه مصاعب الحياة بصحبة طفلتها الصغيرة التي تحملها بداخلها .فتضطر للخروج للعمل أثناء حملها بعد رفض أختها الوحيدة مساعدتها ولو بالقليل لمجرد أنها تزوجت دون رغبتها بمن دق قلبها بحبه.....وتعلو صرخات أمها في أذنيها أكثر وأكثر لتنقطع فجأة بعدما أصدر الموت قراره بفراقها عن الحياة لتتركها وحيدة..دون أم ..دون أب ..دون نظرة عطف أو لحظة حنان تستمدها من أحضانها.
هنا يعلو صوت بكاءها لفراق أمها تتخلله صرخات آلام الوضع .

مشهد جديد وبسمة رغم البكاء ترتسم في عيون دامعة إذ انتقلت الذكريات إلى ذلك المنزل الكبير الذي نشأت فيه وقضت به أجمل سنوات عمرها .إنه منزل (الخالة الأم) والتي بعد أن علمت بوفاة أختها أثناء وضعها طفلة صغيرة هرعت إلى المشفى يملأها الندم على قسوتها تجاه أختها الراحلة وبقايا عطف ورحمة لازالا يسكنا قلبها جعلاها تلتقط تلك الوليدة الصغيرة لتضمها برفق لأحضانها عازمة على أن تهبها من الحنان ما تدفع به ثمن قسوتها مع أمها في الماضي ثم تصطحبها لمنزلها لترعاها وسط أسرتها الصغيرة (زوج وطفل لم يكمل بعد عامه الأول)....لتكن لها أماً....لم تبخل عليها بالحنان رغم أن حنانها لم يعوضها أبداً عن حنان أمها ..كانت تربيها على أمل أن تحصد في النهاية ابنة لها هي...وتمضي الأيام لتخيم السعادة على تلك الأسرة الصغيرة (أم وأب..أخ وأخت) .وتمر الأعوام الدافئة تباعاً حتى أصبحت تلك الطفلة الصغيرة فتاة يافعة جميلة لم يتبق لها سوى عام واحد على إنهاء دراستها الجامعية.
وضعت الأقدار في طريقها ذلك الشاب الطموح بسيط الحال والذي اختاره قلبها حبيباً واختارته هي رفيقاًً في درب الحياة كما كان زميلاً لها في الجامعة...وفي نفس اليوم الذي قررت فيه أن تصارح خالتها بحبها الذي ملأ حياتها في الفترة الأخيرة وتطلب منها تحديد موعد لمقابلة ذلك الشاب ومن ثم الموافقة على الزواج منه , كانت (الخالة الأم) تبادر هي في طلب من نوع آخر.
هنا علت صرخاتها أكثر وما عادت تطيق الألم وراحت تشاهد ذلك اليوم أمامها وتعيش ذلك الموقف العصيب من جديد لترتسم بوضوح علامات الضيق والحيرة على ملامحها.
فعندما عرضت خالتها عليها الزواج من ابنها الوحيد والذي أنهى دراسته الأكاديمية ويدير مؤخراً إحدى شركات والده تلجمت مشاعرها بداخلها وعجز لسانها عن الرد ليصبح الصمت ودموعها السجينة بداخل مآقيها هما عنوان إجابتها..وراحت التساؤلات الحائرة تتضارب بداخل رأسها...أتتزوج مِن مَن اعتبرته أخاً لها !! أتقبل الزواج منه عرفاناً منها بالجميل وحتى لا تحطم قلب الحنونة التي رعتها مثل ابنتها طوال هذه السنين وكونت لها بيتاً وأسرة!!..أتقتل قلبها وتتنازل عن حبها لنفس السبب!! ..ولم تجد مخرجاً لها من دائرة الحيرة تلك سوى أن تفصح لخالتها عن أمرها ليأتي ردها مفاجأة غير متوقعة تقع عليها كالصاعقة حينما قالت لها بعنف والنار تتأجج بداخلها:
(صورة أنت من أمكِ عندما عزمتْ على الزواج ممن لا يليق الزواج به.
رغم أنكِ نشأت بين أحضاني إلا أنك صورة منها هي...كم كنتُ حمقاء يوم ندمت على قسوتي معها.. .كم كنتُ حمقاء يوم أن وهبتك من الحنان مالا تستحقين..والآن عليكِ أن تختاري إما أن تذهبي لتحققي سعادتك الزائفة ...ولكن..بعيداً عن هذا المنزل.. .وإما أن تحققي رغبتي فتنعمي بأم وأسرة وحياة هانئة مستقرة دون متاعب أو كفاح..أنت من ستختار).

لم يكن الاختيار بعد هذا الرد بالأمر الصعب .فقط تملكها الحزن الشديد عندما أيقنت أن لكل شيء في هذه الحياة ثمن....
وكان الاختيار... الحياة ذات المتاعب المليئة بالكفاح. ولكن ما احتوته من حب صادق أخفى مذاق التعب وسحق لحظات الألم السالفة . لقد رزقها الله ذلك الزوج الحنون العاشق لها لتتذوق بقربه معنى السعادة الحقيقية لا المزيفة ....تعلو هنا صرخاتها أكثر وأكثر وما بين كل صرخة وأخرى بسمة يملؤها الأمل ويغمرها الشوق للنظر في عيني وليدها الصغير...ثمرة حبها وبرهان سعادتها..
تهدأ الصرخات لحظات قليلة لتعود فتعلو من جديد لتحيط أصدائها بأرجاء المكان. تعلو الصرخات..ويتصبب جسدها عرقاً ..وصورة أمها لا تفارق خيالها..ويخفق القلب بقوة لتعلو نبضاته فيسمعها جميع الأطباء بالغرفة ثم يصمت تماماً...لتنغلق عيناها بعدما أصدر الموت قراره الثاني على التوالي بالفراق بينما أعلن الصوت الهزيل لذلك الوليد الصغير نقطة بدء في حياة أخرى جديدة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   السبت سبتمبر 20, 2008 3:16 pm


موعد مع الحب

لقد أوشكت عقارب الساعة أن تُشرق على التاسعة صباحاً ،ترى ما الذي حال دون حضوره في موعده ،، والذي لم يتجاوز الثامنة قبلاً .
يا إلهي...أنا أيضاً لم أعد أعلم لماذا أصبحتُ أنتظر تلك الرسائل بهذه اللهفة الشديدة،،،هل أحببته حقاً ؟؟،، ولمَ لا!! فأنا لم أشعر بهذا الإحساس من قبل وكأن قلبي لم يدق سوى من بضعة أشهر مضت.
ليتني أعلم من هو...ليتني أره...ويل قلبي من ذاك الحب
هكذا كانت تحدث ذاتها بصوتٍ تحيط به الحيرة، وموجات الدمع في بحر العيون كادت أن تثور عندما قالت:
قد لا يكون هناك خطاب اليوم!!! ربما كذلك.
يقدم رنين جرس باب المنزل ليهدئ من تلك الثورة المدفونة خوفاً من أن تدمر مشاعرَ جميلة طالما حلمت بأن تستشعرها.
انطلقت من على مقعدها الصامت كملامح وجهها التي سكتت عن الكلام منذ سنين لتفتح الباب في شوقٍ يغلفه بعض الغضب قائلة:

لماذا تأخرت؟؟ أين الخطاب؟؟

صباح الخير سيدتي..تفضلي ..هاهو

معذرة فقد كانت ابنتي مريضة...وقد ذهبتُ بها للمشفى قبل القيام بعملي

هدأ قلبها قليلاً ثم ارتسمت على وجهها بعض علامات الحزن قائلة:

معذرة ،،، شفاها الله لكَ

أغلقت الباب تمتزج بقلبها مشاعر الحب ولهفة قراءتها للخطاب ومشاعر الحزن التي أهداها لها ساعي البريد عندما أخبرها بمرض ابنته
وما لبثت أن ابتسمت في سعادة عندما وجهت عينيها نحو الخطاب الذي تحمله،،جلست تتفحص بيانات الغلاف الخارجي والعنوان المدون عليه كعادتها كل يوم وكل مرة تُمسك فيها برسائله لها.
عادت لمقعدها لتروي قلبها من نبع كلماته الدافئ وتداعب الروح برقيق حبه

مالكة القلب...صباح جديد معطر بالزعفران
تمر الأيام يا حبيبتي لتصبح أشهراً طويلة وقلبي يشتاق لرؤية حرف منكِ،،ترى هل تلمسين حجم الحب الساكن في قلبي ، لو تعلمين كم أحبكِ ،، لو تعلمين كم من الوقت أ ُمضي أراقبك من بعيد ،أراقب نظراتك الحائرة الباحثة عن حقيقة الحلم الجميل المستتر وراء جدران الواقع السميكة ، أتأمل لمسات الحزن التي طبعها الزمان على ملامح وجهك الجميل،أراقب الغموض المتنزه بين حركاتك وتصرفاتكِ ، أراقب حركة شفتيكِ وأنت تتحدثين...وأيما كانت تقول..أراها تقول أحبكَ..أحبكَ
قد لا أعلم عنكَ الكثير ولكنني أتوسم فيكِ حنانا أفتقده وحباً قد زار قلبي فسكن
حبيبتي...أطلب حبكِ،،فهل تقبلين؟؟
إمضاء..قلب عاشق


لم يكن كأي خطاب ،فاليوم يلزمها بالرد الصريح الجازم بقبول الحب أو رفضه ، لم تفكر كثيراً فقد أتاها من كانت تنتظر قدومه ودق القلب بحبه وأبى الكتمان
همت راكضة نحو مكتبها لتخط له أول خطاب، والذي طالما ترددت أن تكتبه، وليكن بداية اللقاء الذي أجلته كثيراً.
جلست،، تعانق أصابعها القلم ويعانق حسها ذاك العبير المنبعث من تلك الزهرة الوردية التي صاحبت خطابه هذا الصباح،، راح القلب يتحدث ويُلقي بنبضاته بين الأسطر:

صباحٌ معطر بعبير زهرتك الوردية التي أرسلتَ يا سيدي
منذ أن توفي زوجي من عشرِ سنوات وحتى من قبل أن يرحل عن دنياي وأنا أفتقر إلى الحب الحقيقي ولمسة حنان صادقة من حبيب يسكن إلى جواري ،، وقد تناسى القلب تلك المشاعر الجميلة التي أشعر بها الآن بعد أن أصبحتُ على مشارف الأربعين من عمري ، لا زلتُ لا أصدق أني أحببت
أنا لا أتصف بالغموض ،،ولكنها الحياة،،فهي دوماً غامضة
وقد تكون الوحدة القاتلة التي أصاحبها وتصاحبني منذ أن كًتب علي العيش وحيدة في هذا المنزل الكبير..........

وراح القلب يسترسل في حديثه ويُفصح عما بداخله

تتوالى الأيام زاهية وتتلاحق اللقاءات على الأوراق ،،، حتى بلغها هذا الخطاب في هذا الصباح المختلف لتصبح نيران الحب بقلبها أكتر اشتعالاً عندما يطالبها بحق اللقاء،وكأنها كانت تنتظر طلبه منذ زمن
تتسابق أناملها نحو أوراقها والقلم، كي ترسم أحرفها شوقاً ما عاد يريد أن يستتر ، فتوافق على طلبه باللقاء ،، وطلبت منه فقط تحديد الموعد والمكان في خطابه التالي.
رنين جرس الباب هذا الصباح يأتي ليرفض تلبية رغبة طالما حلمت بتحقيقها، لم يصلها خطاباً منه ككل يوم..حضر ساعي البريد هذا الصباح خالي اليدين ، فقط سألها عما إذا كان هناك خطاب جديد تريد أن ترسله .

انقطعت خطاباته تماماً وحتى لقاء الورق قد حُرمت منه أيضاً.
وراحت تبعث بكلماتها الباكية إليه كل يوم ،، وعلامات الاستفهام بين أحرفها عديدة.
ترى ما الذي منعك عني؟،، هل هو تراجع في طلب قد طلبته أنت؟،،أم هل أنت تعاني من مشكلة ما؟؟،،أم.....؟،، أم ماذا
تتوالى خطاباتها له..وما من مجيب!!! وتخاف على بئر الحنين أن ينضب،،وتفكر في حل للحفاظ عليه حتى وصلت لقرارها الحاسم هذا الصباح...(العنوان...العنوان المدون على غلاف الخطاب،،سوف أذهب إليه ،سوف أتحرى الأمر)
هكذا قالت دون تردد،،،،،ثم استقلت سيارتها منطلقة نحو العنوان المقصود

بعد ساعات قليلة تعود لمنزلها والعين حديثها الدمع واللسان حديثه كيف؟،، كيف؟،،والقلب حديثه الصمت،،فقط الصمت
كيف لا وجود لذلك العنوان على الإطلاق ،،كيف؟؟
يكاد العقل يبارح الجسد ليصرخ معلناً عصيانه ورفضه للحقيقة التي لا أفهمها
هكذا كانت تصرخ وتقول،،،،

استقلت سيارتها مرة أخرى،،هذه المرة في جولة البحث عن مجيب لتساؤلاتها
ساعي البريد......ساعي البريد......مكتب البريد الرئيسي...حتماً سأجده هناك الآن
هكذا قالت وقطرات العرق تتصبب من وجهها الحزين الغاضب
راحت أنظارها تلاحق أعين المارة في مكتب البريد علها تجده بينهم
هاهو،،
سيدتي،،مرحبا بكِ،،هل من خدمة أقدمها لك
العنوان!!
ماذا؟؟!!
العنوان.....من أين كانت تأتي تلك الخطابات التي كنت تسلمها لي كل صباح...من أين؟؟!

خطابات!! أية خطابات،،لم أسلمك خطابات من قبل يا سيدتي،،فقط كنت أتسلم بناء على طلبٍ منكِ خطابات لأبلغها مكتب البريد هنا
ماذا تقول؟!،،،وابنتك المريضة!! ويوم تأخرت!!
أنا غير متزوج يا سيدتي وليس لدي أولاد
كاذب،،،،كاذب،،،أنت كاذب

قالتها في انهيار تام وما عادت قادرة على رؤية الحقيقة التي لا زالت غائبة.

استقلت سيارتها لأجل العودة،،،العودة للمنزل،،،العودة للدليل،،،دليل صدقها ،،،دليل حبها الذي لم ولن يمت.
دفعت باب منزلها بقوة واندفعت نحو خزانة غرفتها لتُخرج ذاك الصندوق الذهبي الذي خصصته للاحتفاظ برسائل حبيبها وزهراته المصاحبة لها.
أخرجته ليكون دليل صدقها أمام ساعي البريد وأمام نفسها.
أخرجته لتجد عند فتحه أنه ........لا دليل ،،، لا رسائل،،،لا زهرات،،فقد وجدته فارغاً إلا من الهواء.
راحت تصرخ وتفتش هنا وهناك والتفكير يكاد يقتلها ويلقيها على الأرض جثة بالية،،ولكن نتيجة البحث كانت حيرة قاتلة وصمت لن يتبعه حديث.
سكت اللسان عن الكلام وتحدث العقل قائلاً:
مات الدليل...وأخلف الحب معي موعده


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الثلاثاء سبتمبر 23, 2008 5:31 pm

السقوط الصامت

بصوت صفارة حاد أعلنت بداية المباراة. صراخ....هتافات....لافتات... جو يشوبه التوتر يحيط بتلك الحلبة الضيقة التى احاطها المشجعون من كل جانب , آملين أن يقضوا وقتا ممتعا ويروا مباراة شيقة. وقف للحظات ينظر إلى خصمه الذى بدت ملامح وجهه واثقة من الفوز....ابتسامة بجانب شفتيه وعينان تلمعان من التحمس ,لم يستطع أن ينظر إليهما طويلا فذلك التحدى فيهما كان يشعره بالخوف. كان يعرفه جيدا ودائما ما كان يتجنب تلك المواجهة ولكنه كان يوقن أن ذلك اليوم قادم لا محالة , وهاهو الآن يقف أمامه لا يفصلهما جدار ولا تبعدهما غير خطوات قليلة. يجمعهما الوقت والمكان وتلك الحلبة التي أحاطت جهاتها الأربعة حبال, تحاصره وكأنها حول عنقه, تخيفه وكأنها أفاع تتربص به. ضم الخصم قبضتيه بقوة آخذا وضع الاستعداد وتلك الابتسامة لا تفارق شفتيه. فما كان منه إلا أن أخذ خطوات إلى الوراء... مع كل خطوة كان يشعر أنه يقترب أكثر من الهزيمة وأن قدماه تقودانه إلى الفشل... وخصمه يتقدم بخطوات قوية ثابتة ,كان يشعر بوقعها رغم الضجيج الذى ملأ المكان...حتى أنفاس الخصم كانت تخترق أذنيه دون استئذان. خطوة تتبعها أخرى وقدماه ثقيلتان تزحفان على أرض الحلبة تبحثان عن طريق للهروب ...والجمهور يصيح يريد البداية... يريد الإثارة...يريد الهجوم... أصوات قليلة متفرقة كانت تصارع عاصفة التشجيعات التي كانت تهتف باسم خصمه وأخذت تنخفض وتبعد مع كل خطوة كان يخطوها للوراء. أحس بظهره يلمس حبال الحلبة , لم يعد هناك مفر ...أدرك أن خصمه لن يرحمه وأن المباراة التي لم تبدأ بعد قد شارفت على الإنتهاء. سدد الخصم أول ضرباته , كانت لكمة قوية انطلقت لتستقرعلى جانب فمه تاركة مكانها بقعة من الألم المبرح و قطرات من دماء شفتيه ثم تبعتها أخرى كادت أن تكسر فكه ثم أخرى...وهو يقف فى مكانه لا يتحرك يقاوم السقوط ومزيج من العرق والدماء والدموع بدأ يخفي ملامح وجهه التي خلت من أي تعبير حتى ما يظهر الألم. كان يتلقى اللكمات واحدة تلو الأخرى في استسلام قد اعتاده فهكذا أيضا كانت حياته سلسلة من اللكمات ... لكمة على خده الأيمن وقصة حب فاشلة انتهت فصولها بزواج بطلتها من فارس غيره يمتطي سيارة فاخرة و يتمتع بظروف أفضل. لكمة على خده الأيسر وحلم ضائع بأن يصبح جراحا بعد أن فضلوا عليه زميله سليل الأساتذة والذي أخذ بالفعل مكانه في المستشفى. لكمة أخرى وخداع من صديق عمره الذى انتزع منه وظيفته بلعبة رخيصة وتتابعت اللكمات وتتابعت معها الذكريات ودارت حياته أمامه كشريط سينمائي يعرض الأمنيات التي عاشها والواقع الذي صدم به... لم يعد يشعر بالألم فتلك الجراح بداخله كانت أشد وأعنف. كان دائما يحلم أنه سيكون شخصية ذات شأن ... جراحا ماهرا وعالما مشهورا وأيضا فنانا وكاتبا و رياضيا . لم يكن يظن أن لقدراته حدود وكان يرى أن العالم كله ملكه وأنه ملك كل من يمتلك العزيمة والطموح. لم يعد يسمع صوت الجمهور ولا صوت اللكمات, أغمض عينيه غارقا في ذكرياته تاركا لخصمه جسمه فى خضوع. تذكر يوم أن تخرج الأول على مدرسته وكيف كان كل من يعرفه يشهد بأنه موهوب...موهوب فى كل شئ. تذكر نظرة الأمل في عيني أبيه وكلمات التشجيع التي كان لسانه دائما يقطر بها...مشاهد من ليال قاسية أخذت تتأرجح أمام عينيه... ليلة وفاة والده...ليلة زفاف حبيبته...ليال كان يقضيها فى حساب نفقات البيت واضعا أمامه مرتبه الزهيد وفواتير الماء والكهرباء. لم ينس أبدا تلك الفرحة التي رآها فى عيون الحاقدين وكيف أن أحدا لم يعذره لم يفهم لماذا فشل... لماذا انهار...أحس بالأرض تدور تحت قدميه. رفع عينيه إلى ذلك الجمهور الذي كان ينتظر سقوطه . شعر أنه كالمهرج الذى يلبى ما يطلب منه ليسعد الحاضرين. سقط على ارض الحلبة صامتا لم يصرخ لم يتأوه. أيقن أن مباراته قد حسمت وأن المعركة قد انتهت وانتظر من يعلن فوز خصمه ...عدوه اللدود. نظر إليه وهو رافع ذراعيه يحيي جمهوره المهلل... أخذ يتأمله...يتأمل ذلك الهزيل الذى هزمه . يتأمل وجهه الذي غطته الكدمات والجروح ... وقف الخصم بجانب رأسه مختالا بنصره ناظرا إليه في سخرية أطلقت فى رأسه وابلا من الأسئلة... كيف هزم بتلك السهولة ؟ كيف سقط بهذه السرعة؟ كيف هزمه من هو أضعف منه؟ لماذا لم يقاوم ؟ ...أسئلة لم يجد لها أجوبة ولكنها حركت بداخله الرغبة فى الانتقام . وضع كفيه على الأرض محاولا النهوض لكنه لم يستطع كان خصمه يضحك فى سخريه واثقا أنه لن ينهض أبدا. ظل يحاول وجسمه الضعيف يجذبه نحو الأرض وقدماه تأبى أن تحملاه. شعر بالأرض من تحته نارا ستحرق ما تبقى منه إن لم يدافع عنه بالنهوض . و أخيرا نجح وقام ...وقف مرة أخرى أمام خصمه الذي بدت عليه ملامح الذهول والدهشة. أحس بالدماء تدب فى عروقه من جديد تحث يديه أن تتحركا وشعر بالقوة تنبت فى قبضته حاملة معها كل الذكريات و الآلام والأحزان. كانت الضربة التي أنهت كل شيء.. كانت الضربة الأخيرة .., كانت سريعة قوية و موجهة لم يستطع الخصم تفاديها فسقطت على خدة الأيسر. شعر بألم شديد فى يده اليمنى و رأى خيوط الدم تنساب بين أصابعه...نظر إلى زجاج المرآة المكسور أمامه يعكس أجزاء وجهه الشاحب وهالات سوداء حول عينيه كأياد تسرق منهما الأمل ولحية منطلقة فى حرية تعبر عن أيام وأسابيع مضت ودمعة لا تزال تجرى على خده وقد ضلت طريق أخواتها...تأمل تلك الحجرة المظلمة وحاول أن يتذكر كم لبث فيها يبكي وحده تاركا ستائرها تواجه أى شعاع ضوء يريد التسلل بين طياتها إلا ما يكفى لرؤية وجهه الحزين. مشى نحوها وهو يضمد جرحه وازاحها بقوة أثارت الغبار ليرسم اشعة الضوء التى انتلقت في حرية تضئ المكان...كانت يده قد كفت عن النزيف وقد نسى الألم. فتح النافذة ومد رأسه يتطلع خارجها وقد أدرك أن المباراة لم تنته بعد...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الجمعة سبتمبر 26, 2008 12:49 pm

اللوحة الرمادية

يوم جديد يبدأ في هذا المكان الذي بدأت تغفر له بعض ذكريات اللحظات القاسية التي قضتها به. كانت الرياح تصطدم بزجاج النافذة بجانبها حاملة معها قطرات من المطر صانعة خطوطا تشوه الرؤية. وهي مستلقاة على سريرها الحديدي تحاول أن تبعد بصرها عن تلك اللوحة التي رسمها الشتاء فكم كانت دائما تكره قسوته, تبغض هذا الجو المظلم وتلك السحب التي تفرض وجودها على زرقة السماء وتصبغ الحياة بلون باهت حزين. كم كانت تود لواستبدلت تلك اللوحة الرمادية بلون شمس الربيع. كان الوقت لا يزال مبكرا, كانت تعلم أنه لن يأت الآن ولكنها اخذت ببصرها تجوب بين جنبات الحجرة الواسعة متجاهلة النافذة وظلت عيناها الذابلتان تزوران الوجوه من حولهما باحثتين عن ملامحه المشرقة متتوقتين لرؤيته وهو في زيه الأبيض الذي يزيده وسامة وتألقا. وجوه شاحبة ,ملامح بائسة ,أصوات أنين وألم ,أسرة تحمل قصصا من العذاب والصبر, فتيات في زي الرحمة مسرعات حاملات أقراص الدواء وأكياس المحاليل... مر بها الوقت وهي تنتظر وأخيرا أشرق من بين الوجوه يقف مع أحد زملائه يتطلع في كتابه, يتكلم ويضحك...كم كانت تعشق تلك الضحكة المليئة بالشباب والحيوية فارتسمت على شفتيها ابتسامة قيدها الضعف وسلسلها الألم. سحابة من المرض كانت تحاول أن تخفي ملامح وجهها الحائرة بين الطفولة والأنوثة وهي تنظر إليه تتمني لتلك السحابة أن تزول لترى نور الشمس من جديد...و إذا بالممرضة تحجب عنها الرؤية.
- حان موعد الحقنة.
سلمتها ذراعها وهي تحرك رأسها ببطئ محاولة استعادة الرؤية حتى لا تضيع تلك اللحظات القليلة التي تراه فيها ولكن دون فائدة فأغمضت عينيها وراحت تنسج احلاما كأي فتاة في عمرها تتطلع للحياة وتحلم بالمستقبل لم يمنعها ذلك المرض المتوحش الذي تمكن من جسدها فهي كانت توقن أنه لن يتمكن من روحها ابدا. كانت تود لو تركت سريرها واستعادت جمالها وصحتها لتكون أهلا له. كم كانت تتمنى لو التحقت هي الأخرى بالكلية التي يدرس بها لتكون طبيبة مثلما سيكون. كانت رغم بساطتها طموحة, رغم فقرها مطلعة ورغم مرضها ناجحة في دراستها ولكنها اضطرت ان تتخلي عن حلم الجامعة مؤقتا بعد إصرار زوج أختها علي ذلك فهو كما قال لن يتحمل مصاريف مرضها ودراستها معا. عاشت يتيمة تصارع الظروف لتستقل بحياتها ولكن قلبها كان يحدثها دائما عن الحب والأمل, كانت تراهما شقيقين يشبهان بعضهما البعض كثيرا. وبينما هي غارقة في الامنيات إذا بصوت مميز يداعب أذنيها.
- صباح الخير
وجدته يقف بجانبها ممسكا بسماعته وعلى وجهه ابتسامة تزيده بهاءا. أخذ قلبها ينتفض كان رغم ضعفه يرضي بأن يخفق بقوة فقط من أجله... أخيرا لاحظ وجودها بعد كل تلك الأيام منذ أن رأته أول مرة, يوم ان سقطت من يدها علبة الدواء فتقدم مسرعا و ناولها إياها وعلى وجهه تلك الابتسامة الجميلة وقال لها " سلامتك"...منذ ذلك الحين وهي تقضي نهارها تبحث عنه وليلها تنتظرالصباح لتراه. سبحت في الأفكار فلم تجب فأستطرد قائلا.
- هل يمكنني معرفة أسمك ؟
تنبهت أنها لا تحلم فأخبرته اسمها وصوتها يرتعش من الخجل.
- هل تسمحين لي بالكشف وببعض البيانات؟...لن أزعجك.
هزت رأسها برقة دليلا على الموافقة. بدأ يسألها عن مرضها وآلامها فهمت بالأجابة على أسئلته وهنا قطعت حديثهما فتاة جميلة وجهها ينبض بالحياة وألوان الربيع تظهرمن تحت زيها الأبيض وأخذت تتكلم معه. كان حديثهما معا يظهر أنهما أكثر من مجرد زميلين. ثم بدأا يتكلمان بالانجليزية.
- ماذا تفعل هنا ؟
-أكشف على هذه الحالة... أنت تعلمين أن الإمتحان قد اقترب.
-أنت تضيع وقتك هذه حالة ميؤس منها و لن تعيش حتى يوم الإمتحان تعال نرى مريضة أخرى.
أستأذن ورحل مع الفتاة. زلزلت الكلمات روحها التي أحست لأول مرة أن المرض بدأ يتسلل اليها ,تلك الفراشة التي كانت تطير بها الى حيث تعجز قدماها أن تحملاها لم تعد تستطيع التحليق من جديد. ظلت تنظر إليهما وهما يتكلمان ويضحكان باعدين عن سريرها الحديدي التي أحست به يقيد كل أجزاء جسدها الضعيف. لأول مرة تندم أنها كانت متفوقة بين زميلاتها في المدرسة ... لأول مرة تكره اللغة الانجليزية التي طالما أحبتها وتفوقت فيها.... لماذا أعطاها ذلك الطبيب الكبير أملا كاذبا؟ لماذا أكد لها أن العزيمة والأمل يستطيعان أن يقتلا أعنف الأمراض وأشرسها؟ كانت عيناها حائرتين بدمعتين تأبيا أن تسقطا ظلتا تجوبان الحجرة بهما حتى وجدتا ضالتهما في النافذة بجانبها لم تعد تعلم اي منهما تحجب عنها الرؤية الواضحة الدمعتان أم الخطوط التي رسمتها الأمطارعلى الزجاج. علمت أنها لن ترى نور الشمس من جديد فلوحة الربيع لا تقبل الرمادي بين ألوانها...سقطت الدمعتان علي خديها...لأول مرة منذ أن علمت بمرضها تبكى ولكن في صمت كما كانت تتألم دائما...لم تعد تخاف الموت فهي كأوراق الخريف تصارع الرياح و لكنها في النهاية تسقط على الارض ففروع الأشجار لفظتها والأرض قبلتها ورياح الشتاء آتية لا محالة لتأخذها إلى بعيد. لم تعد تبحث عن عينيه بين العيون... لم تعد تنتظره كل صباح... بل كانت تنظرالى اللوحة الرمادية كل يوم في انتظارضيفا آخر تعلم أنه لن يتأخر.
...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الأحد سبتمبر 28, 2008 8:14 pm

رفعت الجلسة

كان ينظر إلى ساعته كثيرا متعجلا عقاربها أن تسرع حتى يأتي موعد الانصراف من العمل, فشوقه كان يأبى عليه أن ينتظر تلك الدقائق القليلة الباقية وخوفه أن يتأخر عليها كعادته جعله لا يستطيع الجلوس إلي مكتبه. هاهى العقارب تعلن قرب اللقاء وتعفيه من نظرة اللوم الخجولة في عينيها وتجعله يأمل في نظرة من الرضى وبسمة مشرقة, حاول أن يستحضر صورة بسمتها إلى ذهنه ولكن صورة أخرى كانت تفرض وجودها عليه...صورة وجهها حزين وعينيها لائمتين. تعجل في خطواته وكالعادة مر بجانب متجر الزهور ولكنه على غير عادته توقف أمامه, تذكر لونها المفضل في الأزهار بصعوبة فقد كان لا يهتم كثيرا بتلك الأمور ولكنه ينوي أن يتغير من أجلها سيبتاع لها زهرة جميلة كل يوم. ظل يفكرأي واحدة تستحق أن تلمس وجهها ؟ هاهي تعلن عن نفسها وتتزين بالسلوفان لتزف عروسا إلى خدها الرقيق... سلك طريقه إليها في تلهف... كان طويلا هادئا ولكن وجه حبيبته وتلك الزهرة الجميلة كانا رفيقا الطريق. على مرمى بصره بدا له مكان اللقاء ,كان الجو الملبد بالغيوم يضفى عليه جوا من الحزن ولكن يكفي أنها تنتظره فيه ليكون أغلى مكان على وجه الأرض. أخذ بعينيه يبحث عن حبيبته ...وما أن اقترب حتى أحس بيد تطبق على ذراعه بقوة .
- أنت متهم !
- ما التهمة ؟
- ستعرف كل شئ ...تحرك !
لم يدر كم مضى عليه من الوقت وهو غارق في الذهول .. لا يستوعب لما هو متهم ولا يصدق ما يحدث له ويتساءل ما الذنب الذي اقترفه وهو يوما لم يؤذ مخلوقا. أفاق من دهشته على صوت ضربات مطرقة وصوت عال أجش .
- محكمة !
من بين القضبان الحديدية نظر إلى القاعة الواسعة وهو فى شدة القلق والاضطراب, يتساءل عن سبب مجيئه إلى هذا المكان. وقعت عيناه على تلك اللوحة التي تعلو منصة الحكم... لوحة الميزان الدقيق دليل العدل والحكمة, فهدأت تلك اللوحة من روعه قليلا. ثم برزت حبيبته بين الحضور تجلس في الصف الأمامي... أخذ يتأمل تلك الجميلة رفيقة الكفاح والذكريات وهو يتعجب كيف كان يتمنى غيرها يوما. نظرت إليه وعيناها تحملان مزيجا من الحزن والدموع والشفقة واللوم , فرفع يديه ممسكا بالقضبان وهو يود لو استطاع أن يكسرها ليزيل عن عينيها تلك النظرة .
- الادعاء !
- سيدي القاضي إن هذه المرأة قدمت كل شئ ولم تنتظر مقابلا , قدمت الحب والتضحية والوفاء ولم تحصل إلا على النكران. قدمت له السعادة على طبق فضي فأدار له ظهره بكبره وعجرفته. سيدي القاضي إن هذا الرجل الماثل أمامكم ......
مهلا هل يتكلم هذا الرجل عنه ؟؟؟ تساءل وهو يتذكر أيامه معها...صحيح أنها كانت تحبه وكانت تغمره بحنانها وتضحياتها ولكن هل كان هو بهذا الجحود؟ همس صوتها في أذنيه يذكره بتلك الليلة, عاد متأخرا كعادته من سهرة مع أصدقاءه ,كانت تسند رأسها علي يدها وأمامها مائدة تضم كل ما يحبه من طعام , شموع ذائبة توشك أن تنتهي كانت تضئ وجهها المجهد من الانتظار. كان يوم عيد زواجهما ولكنه لم يتذكر أو بالأحرى لم يهتم , تعلل أنه مرهق وتركها وحيدة على مائدتها تحاول أن تلتمس له الأعذار... ولكن لم كان يعاملها بهذا الفتور؟ لم كان لسانه يأبى أن يظهر لها الحب؟ لم كان وجهه يفضل العبوس؟ أكان يراها امرأة عادية لا تبهره وكانت الأخرى طيفا يخطف الأبصار؟ هل هي ضغوط الحياه والعمل؟ أم أنه شيطان كان يأبى عليه السعادة؟ لم يجد لأسئلته جوابا غير همسات من ليال أضاعها في عناد لم يجد له تفسيرا...كل كلمة أساء بها إليها, كل حرف لم يكن يعنيه, كل دمعة أسقطها من عينيها بحماقاته قيلت في الجلسة بدقة بالغة باليوم والساعة والثانيه وكأنهم كانوا يعيشون معهم تلك اللحظات .
- الدفاع !
لم يجب أحدا...ظل هو شاردا صامتا, لم ينكر, لم يدافع عن نفسه... لم يجد الكلمات وضاعت منه الجمل وأنتظر الحكم في ترقب وهو يتأمل القاضي الذي جلس وحيدا على المنصة. وتعجب كيف يوضع مصيره في يدي هذا الشاب الذي لا يختلف عنه إلا بذلك الشريط الأخضر المائل الذي يزين صدره؟ لحظات عصيبة مرت عليه وهو ينتظر, يتمنى الرحمة فوق العدل. وأخيرا نطق القاضي بكلمة واحدة وعيناه تملأهما الشفقة.
- مذنب !
وقعت كلمة القاضي عليه كالصاعقة...كخنجر اغتال الأمل في الخلاص من تلك القضبان. لم تتحمل قدماه الصدمة فهوت به علي ركبتيه ...تراب لوث ثيابه ودموع أخذت تنهمر تبلل حروف اسمها المحفورة على الرخام الأبيض وتحته تاريخ سكنها لهذا المكان. نظر حوله فلم يجد غير رياح قوية تندفع بين القبور تعزف مع الحشائش لحنا حزينا. كانت تفرش له طريقه بالبسمات والتضحيات, شمعة احترقت لتضئ له حياته وانطفأت ليظل ضوئها ذكري في عينيه.. كان يخفي عنها حبا عظيما بل كان أيضا يخفيه عن نفسه... تمني لو أحس بأصابعها الرقيقة تربت على كتفه محاولة أن تزيل غبار الحزن عنه كما كانت تفعل دائما فهو لم يعتد أن يحزن وحده دون أن يجد منها العون ويستمد من حنانها الصمود...نظر إلى كتفه الخالى فوجده صحراء مقفرة دون يدها الصغيرة ...بدأ الظلام يحل فأدرك أن عليه الرحيل ترك الزهرة البنفسجية علي قبرها وأستدار لدنياه ولكن هذه الدنيا الواسعة هي بدونها سجن ضيق صنعت أسواره من الندم وحفت زنزانته بالأخطاء وغلقت أبوابه بالذكريات... رفعت الجلسة ولم يعد هناك ما يقال غير صوت السكوت القاتل وتنهيدات الألم وشهقة النحيب.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الأربعاء أكتوبر 01, 2008 8:19 am

في رحلة البحث عنها

"في رحلة البحث عنك عانيت الكثير، تحملت تلك النظرة التي كنت أقرأها في عيون كل من حولي ، تحملت تعجبات وتساؤلات ......
لماذا لم يتزوج هذا الشاب حتى الآن ؟ ما الذي يمنعه من الارتباط ؟ حتى إنه لم يتقدم لخطبة أي فتاة بعد!
الإجابة لن يفهمها أحد غيرك... كنت انتظرك... نعم انتظرك أنت... لا تتعجبي فأنا أشعر وكأنني رأيتك من قبل وتحدثت إليك كثيرا... أشعر بأنني لست في حاجة أن أقول لك شيئا ستفهمينني من جمل قليلة وستقرأين لغة العيون..."
سطر تلك الكلمات على أوراقه وألقى بقلمه عليها ثم رجع بظهره للوراء ساندا رأسه على كرسيه ناظرا إلى السماء، تلك اللوحة الربانية التي جمعت شمسا تحمل صيفا وحياة وسحبا بريئة لا تحمل من صفات الشتاء إلا لونا يلائمها، إن الصيف والشتاء لا يجتمعان في سماء واحدة إلا نادرا فنادرا ما يجد في السماء كل ما يتمناه ...
كان يتأمل روعة وكمال تلك الصورة محاولا أن يرسم ملامح كاملة لبطلة قصته الجديدة ولكن لمَ كانت صورتها تأبى أن ترسم هذه المرة؟ ربما لأنه ولأول مرة يشعر بأنه كبطل تلك القصة... بل إنه هو بطلها ! ألا يصفه الجميع بأنه الشاب الوسيم الهادئ, صاحب الموهبة الساحرة والقلم الذهبي , الصحفي اللامع والكاتب البارع العازف عن الزواج!!! والكل لا يفهم لمَ, فرغم كثرة أصدقائه كانوا جميعا لا يتفهمون شخصيته.
كم كانت محقة زميلته، سمعها صدفة تتحدث عنه دون أن تعلم بأنه يسمعها كانت تقول عنه أنه شخصية غريبة فريدة متقلبة، تارة هو كبركان ثائر بالحيوية والنشاط فيتبنى القضايا العامة ويخوض المعارك الصحفية بكل شغف وجراءة، وتارة هو كبحيرة هادئة تهجرها الأمواج يميل للعزلة والتأمل فيخرج بقصة رومانسية تسلب العقول وتجعل العالم سيمفونية من العشق تعزف فقط للقلوب ولا تدركها الآذان...
فكر كثيرا في تلك الفتاة ونظرتها له ، وتعجب أن رغم علمها بذلك كانت تتقرب منه وتتودد إليه ولكنه لم ير فيها بطلة قصته وإن وجد فيها كثيرا من ملامحها وصفاتها ... وفكر كم هو محظوظ بطل قصته أن يجد حلمه كاملا ويرى في فتاته كل ما تمناه...
كان على يقين أن زميلته تكن له حبا عميقا فكلما نظر في عينيها كان يعلم هذا جيدا ولكنها كانت أيضا قارئة ماهرة للعيون فكانت تقرأ في عينيه نظرات الهروب فتتفهم وتؤثر الانتظار، وقبل رحيله إلى هنا بيوم واحد أعطته مظروفا وتذكر الآن أنه لم ير ما به لأنه كان في عجلة من أمره فضاع بين الأوراق...
كان قد ترك كل شئ واتجه إلى هذا المكان البعيد الهادئ بجانب الشاطئ فهو يعلم أن البركان الثائر بداخله الآن قد هدأ وناداه صوت السكون بداخله ليهرب إلى هنا...
هبت رياح قوية في تلك اللحظة وأسقطت بعض أوراقه فتحرك ليلتقطها قبل أن تحملها الرياح بعيدا ... عطر خلاب كانت تحمله تلك الرياح جعله يتساءل من أين أتى... ثم رأى فتاة تسير وحيدة على الشاطئ وتعجب أن يقصد أحدٌ هذا المكان وقد بدأ الخريف يطرق أبوابه وهجرت الشواطئ وتعجب أكثر من هذا العشق الذي بدا أنها تكنه للأمواج في حين يرى الناس أن الشاطئ المهجور وبحر الخريف قبيحٌ ... ولكنه كان يشاركها هذا العشق فالكل نعته بالجنون لأنه قصد هذا المكان في ذلك الوقت من العام...
تملكه الفضول بشأن تلك الفتاة فتوجه إليها واقترب منها فشعرت به وألتفتت نحوه...
عجز عن الكلام من شدة انبهاره بهذا الجمال الذي لم ير في حياته مثيلا له!!
أهي فينوس الإغريقية ؟؟ أم شهرزاد الشرقية؟؟ عينان أعمق من هذا البحر أغرقت الكلمات والحروف فظل يتأملها في صمت كما يتأمل سماء الخريف الكاملة عشقه الأبدي..
فبدأت هي الحوار؛
- هي: ألست أنت ذلك الصحفي المعروف أم فقط تشبهه ؟
- هو: نعم أنا هو... قالها وهو مسحور بتلك الأنغام الناعمة التي أبدعها صوتها بإتقان مذهل.
- هي: تعجبني جدا كتاباتك وآراءك وقصصك.
- هو: عجبا! لا يعرف الكثيرون أنني أكتب قصصا.
- هي: أنا أعلم!
- هو: لم يعد هناك من لايزال يقرأ القصص الرومانسية.
- هي ضاحكة :أنا أفعل!
- هو: لقد نصحني أحد أصدقائي بأن اتجه إلى كتابة القصة الواقعية.
- هي: أوليست قصصك واقعية ؟
كان قلبه ينبض بداخله كما لم ينبض من قبل وكأنه يتكلم ويحدثه بصوت عال... يصرخ "وجدتها!! وجدتها!! إنها هي!!!!!"
هبت رياح فأخذت تعبث بخصلات شعرها وتخفي وجهها الرائع فأزاحتها برفق وأشارت إلى حيث كان يجلس قائلة "انتبه فالرياح تحمل أوراقك!!!"
أسرع إلى أوراقه وهو يحدثها بصوت عال :"لا ترحلي من هنا أرجوك سأذهب لأجمعها وسآت حالا."
فهزت رأسها بالموافقة مبتسمة.....
أخذ يلملم أوراقه بعد أن هدأت تلك الرياح التي حملت عطرها من الشاطئ و نادته وكانت قد أخذت بعض من أوراقه بعيدا... جمع ما وجده ورجع بخطوات مسرعة وهو يتذكر الجمل والكلمات التي تليق بتلك اللحظة:
"في رحلة البحث عنك عانيت الكثير... تحملت تلك النظرة التي كنت أقرأها في عيون كل من حولي... تحملت تعجبات وتساؤلات..."
حتى وصل إلي حيث كانا يتحدثان على الشاطئ ولكنه لم يجدها!! تلفت حوله فلم يجد أحدا!! فقط صوت الأمواج المندفعة وقلبه الذي ظل يخفق بقوة ويتساءل أين ذهبت كيف اختفت؟! يلومه ويعنفه.....
صرخ "ما قيمة تلك الأوراق التافهة لتضيعها منك؟؟" وألقى بأوراقه على الرمال فأخذت تتناثر وتطير مع هبات الرياح ....
ساعات مضت وهو يجوب الشاطئ كالمجنون، يبحث عنها وينادي عليها فلا يعرف بمَ ينادي ولكن لم يكن لها أي أثر...
جلس على الرمال من شدة اليأس والتعب وهو لا يكاد يصدق أنه قد لا يراها ثانية وأنه اللقاء الأول والأخير ونظر للسماء فوجد الشمس قد غطتها الغيوم فلم تعد السماء بنفس روعتها وكمالها، فأدار عينيه عنها ناظرا إلى الرمال وهو يكاد يشكو لحباتها حماقته... ندمه وحسرته... فلمح مظروفا ملقا بين أوراقه المتناثرة على الشاطئ، التقطه ونظر إليه وملامح التعب والندم لاتزال على وجهه فتذكر أنه المظروف الذي أعطته إياه زميلته قبل رحيله إلى هنا... لقد ظن أنه فقده! أخرج ما به ففوجئ بدعوة ... دعوة زفاف!!!
اختلطت ملامح التعب والندم على وجهه بملامح الذهول فاليوم تزف زميلته على صديقه الذي طالما ألح عليه ونصحه بأن يتجه إلى كتابة القصص الواقعية.
أخذ يتساءل من جديد : "ما قيمة تلك الأوراق التافهة لتضيعها منك؟" ظل يتساءل ويتساءل وأوراقه تتناثر على الشاطئ تحمل كلماته على كفوف الرياح...
"الإجابة لن يفهمها أحد غيرك... كنت انتظرك ... نعم انتظرك أنت, لا تتعجبي فأنا أشعر وكأنني رأيتك من قبل وتحدثت إليك كثيرا.. أشعر بأنني لست في حاجة أن أقول لك شيئا ستفهمينني من جمل قليلة وستقرأين لغة العيون..."

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   السبت أكتوبر 04, 2008 5:01 pm

رحلة إلى الأفق

تنحنح وقاوم خجله من عاصفة التصفيق الحادة التي صاحبت صعوده إلى المنصة ... أعرب عن شكره وامتنانه بجمل قليلة وجد بعدها أن كلماته قد نفذت, فقد كان دائما قليل الكلام غير ماهر في فن الحديث ... نظراته كانت تتجه بشكل متكررإلى مقعد خال بالأمام ...
مضى الوقت وانتهى الحفل فترك القاعة ومشاعره ممتزجة بالفرحة والفخر والغضب والقلق .. أمسك بهاتفه المحمول وطلب ابنه الوحيد ليستفسر منه لما لم يأت إلى أهم تكريم في حياته .... وبعد انتظار طويل رد الابن أخيرا ...
- آلو
تحدث بإنفعال مصحوب بالقلق.
- لماذا لم تأت ؟
فرد الابن بتلقائية بالإنجليزية.
- ماذا ؟
هنا أدرك أن انفعاله وقلقه قد جعلاه ينسى أين هو ويتحدث بلغته الأصلية . كيف ؟ بعد كل تلك السنين التي عاشها هنا رجع في لحظة إلى كلمات هجرها وتعود على غيرها حتى صار يتحدثها كأهلها !
كان يعلم جيدا أن ابنه لا يتحدث العربية ولا يفهمها فسارع بتغير لغته وعاود السؤال وهو أقل انفعالا فقد سيطر عليه الذهول ....
فأجاب الابن:
- لم يكن لدي الوقت , ذهبت في نزهة مع أصدقائي.
ارتسمت ملامح الضيق بوضوح على وجهه وهو يقول له "حسنا" ويغلق الخط , حاول أن يخفي تلك الملامح عندما شعر ببعض زملائه يتجهون نحوه ثم التفوا حوله مهنئين, متسائلين عما يحضر للمستقبل من أبحاث, فاستأذن ومضى إلى سيارته وقبل أن يدخلها رمق بنظرة سريعة العلم الذي يعلو ذلك الصرح العلمي الكبير... فاليوم كرم فيه بصفته مواطنا ينتمي إلى تلك الدولة العظيمة, يشارك في نهضتها العلمية ويبني كابن من أبنائها مستقبلها ... فقد حصل على جنسيتها منذ سنوات وصار يحمل بطاقة هوية ثمينه يحرص على حملها ويتجنب بها المشاكل التي تواجه أي عربي يعيش في تلك الدولة... ومنذ ذلك الحين صارت الأبواب تفتح له أكثر ولم تمنع أصوله العربية كل من حوله أن يعترفوا له بالذكاء والمهارة وأيضا بالعبقرية والاجتهاد ... ولكنه كان يعلم جيدا أن حصوله على تلك الجنسية الثمينة كلفه حياة زوجية لم يتفاهم طرفاها أبدا ... زوجة لم تقدره ولم تتحمل طباعة الشرقية ...
قاد سيارته الفارهة متجها إلى منزله ولكن هناك ما كان يعطل سير المرور.
حشد كبير كان ينظم تظاهرة ولاحظ وجود الملامح العربية بين كثير منهم. فمد رأسه خارج نافذة السيارة وسأل أحد المتظاهرين عن سبب التظاهرة فأجابه باستنكار واستعجاب ألا تشاهد الأخبار؟ ألا تقرأ الصحف ؟ لقد قصفت دولة عربية بمباركة ومساعدة حكومتنا ...
كان يحمل لافتة مكتوب عليها بالخط العريض بالإنجليزية "من القاتل؟" وتحتها صورة بشعة لطفل مقتول.
التظاهرة جعلته يغير مساره ويبحث عن طريق آخر أقل ازدحاما لا تطارده فيه تلك الصورة المؤلمة التي احتلت مخيلته فمضى في طريقة محاولا أن يتناساها ... لكن انتابه شعور غريب وهو ينعطف إلى أحد الشوارع... شعر للحظة أنه شارع من شوارع مدينته البعيدة وأنه سيقوده إلى منزله القديم وسرعان ما وجد نفسه يقود السيارة بلا هدف وأخذ يجوب في الطرقات كأنه يبحث عن شئ أو يهرب من شئ ما ...
وجد نفسه يتجه إلى المكان الذي تعود دائما أن يشاركه مشاعره منذ أن كان صبيا في مدينته الساحلية الصغيرة ... البحر...الذي يسمونه هنا المحيط ..
برودة الطقس أخلت المكان من رواده إلا من هاو للصيد شاركه شاطئ المحيط في ذلك الوقت...كان بارعا ...يتربص بالأمواج التائهة التي تدخل بين الصخور فتضل الطريق وتحاصر في الأخاديد حاملة معها الأسماك حيث كانت تنتظر سنارته ولكن رغم حصوله على عدد كبير من الأسماك كان يلقي بالكثير منها مرة أخري إلى المياه لأن تلك المنطقة تحوي نوعا من الأسماك المسمومة...
ترجل من سيارته ثم استقر على صخرة بقرب الشاطئ وأطلق العنان لنظراته فأخذت تقفز على الأمواج لتصل إلى ضالتها الأخيرة كما تعودت... في الأفق, اختلط صوت الرياح في أذنيه بصوت أوراق تتناثر على الأرض وكلمة كادت تخرق مسامعه "فاشل"... أنامل مرتعشة تلملم أوراق البحث الذي سهر ليال يكمله ظنا منه أنه سيلقى التقدير والدعم الذي يستحقه وتذكر وقع خطوات شاردة حملته في برد الشتاء القارص إلى شاطئ بحرمدينته منذ سنوات...لم ينس أبدا ذلك اليوم وذلك المكان...كان كمرآة تعكس ما بداخله من حزن ...فقد كان يحمل أمنيات كبيرة... أحلاما نمت بداخله وعلت وارتفعت...وأمواج البحرتعلو وتندفع ولكنها تصطدم بالصخور فتنتهي قصتها أمام صلابتها.. تنتهي رحلتها التي بدأتها من بعيد ولكنها في النهاية تضيع وتموت ...قد تكون قوية عنيفة ولكنها في النهاية تصبح رذاذا لا قيمة له... لم يرفع عينيه ولو للحظة عن تلك الأمواج ...كان يتابع موتها الواحدة تلو الأخرى حتى ظهر خيال يقترب...
في هذا البرد القارص كان هناك من يشاركه المكان والزمان... رجل تقدم به العمر وأحنى ظهره, حمل بيد سلة فارغة وبيده الأخرى سنارة... اتجه الصياد العجوز إلى الصخور وأخذ يقفز ليصل إلى مكان مناسب وألقى سنارته بين بقايا الأمواج وظل ينتظر والرياح تهز جسده الضعيف الذي كان يقاومها بصعوبة... رجع ببصره إلى الأمواج تحت قدميه وهو على يقين أن العجوز سيرحل لا محالة...
ظل العجوز يغير مكان صيده ويتحرك من صخرة إلى أخرى وكأنه واثق من أنه سينال ما يسعى من أجله... ومرت الساعات ولم يمض إلا وسلته ممتلئة بالأسماك..
أخذته ذكرى ذلك اليوم إلى جانب مهجور في نفسه...لأول مرة منذ أن أتى إلى هذا البلد يتساءل لما أتى وما الذي جناه ؟
سأل رفيق صباه في صمت فوجد أن هذا المحيط الواسع ليس بصديقه القديم الذي كان يقضي أوقات اليأس ناظرا إليه ينسج أحلامه البعيدة ويراها كل يوم أبعد حتى ظن أنها وراء الأفق...علا صوته يسأل ذاك الأفق البعيد ظنا منه أنه لا يختلف في أي مكان على وجه الأرض... ولكنه فوجئ به مختلفا فما عاد يخفي المجهول وما عاد يحمل أمنيات المستقبل كما كان في الماضي....حتى أمواج بحرمدينته كان لها لحن عجزت أمواج المحيط التائهة عن عزفه فلصوتها نغمة حزينة وكأنها أنين غربتها بين الصخور.
نظر إلى ذلك الهاوي وهو يلقي بالأسماك إلى المياه وتذكر فرحة صياد مدينته بما جنى من أسماك سليمة طازجة...
فتسللت أنامله إلى جيبه وأخرج بطاقة هويته الثمينة ثم نظر إليها طويلا.. نظر إلى الدولة... الصورة ...الاسم ... السن... العنوان.. وكأنه ينظر إلى بيانات شخص آخر وملامح لا يعرفها ...وصوت أنين الأمواج يعلو ليملأ أذنيه, يختلط بأنين أحلام داخله ضلت وتاهت فارتعشت أنامله وسقطت من بينها البطاقة واستقرت على صخرة قريبة انحسرت عنها الأمواج في تلك اللحظة... فهم إلى الصخرة مسرعا ليلتقطها قبل أن تحملها الأمواج بعيدا ولكن شئ بداخله منعه... فتحجرت قدماه وأبت يده أن تتحرك وظل ينظر إليها حتى حملتها الأمواج بعيدا فتاهت عن أنظاره وغاصت في الأعماق.. هدأ صوت أنين الأمواج في أذنيه وأسرعت عيناه إلى الأفق الذي بدا مختلفا وكأنه يدعوه, حاملا شوقا وحنينا وذكريات.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الأحد أكتوبر 05, 2008 9:18 pm

لحظات الدخان

لم يعد بمقدوره الكف عن النظر إليها وهي تظهر وتختفي من بين الزحام. يحرك رأسه وعيناه ثابتتان لا تتحركان من عليها فقد أصبح لايتحمل أن تصبح مع شخص غيره. قرر أن يأخذ خطوة ليغتنمها فاقترب أكثر من صاحبها ومد يده ببطئ وأخذت أصابعه تتسلل لتخترق دون عناء جيب الرجل الذي كان يقف أمامه في الصف يتكلم مع موظف بيع التذاكر وقد بدت عليه علامات الإرهاق وقلة التركيز وبحركة ماهرة استطاع أن ينتشلها دون أن يشعره بشئ. وبعد مناقشات مع الموظف تحسس الرجل جيوبه باحثا عن محفظته وملامحه تتحول من الطمأنينة إلى القلق حتى بدأ الشك في فقدانها يتملكه فأخذ يتلفت حوله ينظر إلى الأرض بين الأقدام والعرق يتصبب من جبينه آملا أن تكون قد سقطت منه في مكان قريب. كان الموظف قد أعد له تذكرته منتظرا ثمنها ولكنه فوجئ بالرجل يختفي من أمامه ليظهر رجل آخر مادا يده بالنقود ليتسلم نفس التذكرة. ثم انزوى إلى جانب الحائط متجنبا الزحام ليتفحص المحفظة التي كان قد انتشل منها بعض النقود ليبتاع التذكرة ,فتحها ليحصي غنيمته... أوراق... روشتات أدوية... عناوين أطباء ومعامل تحاليل...تقارير طبية... بعض النقود القليلة.. ياللحظ.. كانت ممتلئة بالأوراق وتلك الجنيهات القليلة المهلهلة. نظر إلى تذكرة القطار واعتبرها الغنيمة الوحيدة ذات القيمة التي حصل عليها اليوم ثم ألقى بالأوراق التي تقاذفتها الأقدام على الرصيف وأخذت تطبع عليها خطواتها المتلاحقة.... لم يكن ينوي أن يزاول عادته القديمة اليوم ولكنه لم يجد مانعا من أن يستفيد من تلك الفرصة التي كانت أمامه وإن كانت فقط أعطته رحلة مجانية بالقطار...كان قد نسي ساعة يده فنظر إلي الساعة الكبيرة التي تعلو المحطة تعلن عن موعد القطار الذي لم يتأخر كثيرا عن موعده ...دخل القطار وتوجه إلى مقعده حاملا حقيبته الصغيرة فهو لم يكن ينوي أن يمكث في قريته لفترة طويلة, فبعد أن أصبح يمتلك ذلك الدكان الصغير في المدينة لم يرجع إلى قريته إلا ليظهر لأهلها أنهم لم يكونوا على حق عندما احتقروه جميعا ونعتوه بالفاشل الماجن المشاغب. فها هو الفاشل يعود ليعلمهم أنه كان أذكاهم وأفهمهم للحياة, فهو دائما ما كان يعتبر أفعاله نوعا من الذكاء والمهارة وكان يبررها بأنه يخدع من يستحق الخداع...يخدع الأغبياء والمغفلين ... والحياة لا تقبل هؤلاء, فهي كالغاب تحترم الأقوى والإنسان القوي هو الإنسان الذكي الذي يعرف كيف ومن أين تغتنم الفرص وكيف ينتزع المال ليصبح مع من يستحقه ويعرف كيف يحافظ عليه وأين ينفقه .... كان في اشتياق لرؤية نظرات أهل قريته إليه بعد أن أصبح من ذوي الأملاك... وتخيل نفسه وهو يمر في أزقة القرية الضيقة بتلك الملابس التي لم يعتادوه بها, فقد تخلى عن جلبابه الممزق القديم وأصبح شخصا آخر كفه يحتضن هاتفا محمولا وجيوبه لا تخلو من أوراق البنكنوت. ظلت الأفكار تمر برأسه والقرى تمر بجانبه حتى دخل في سبات عميق ليستيقظ فجأة على أصوات صراخ و استغاثة ...قفز من مقعده مفزوعا ليجد الدخان قد ملأ المكان ورائحة الحريق تخترق أنفه وتستفز دموعه وتطبق على صدره الذي بدأ ينتزع الأنفاس بصعوبة. كان يعلم أنه لا يزال في ساعات الصباح ولكن الدخان حجب الضوء وجعل الرؤية شبه مستحيلة. سمع الركاب من حوله يتكلمون عن حريق شب في عربات القطار وأن عربتهم تلك هي العربة الوحيدة التي لم تغزها النيران بعد ... كان التوتر والذعر قد ملأ الجميع من حوله وأخذ الركاب يتحركون بعشوائية ويسرعون الى آخر العربة في خوف وهلع ... تجمع الكثير منهم أمام الباب حائرين بين المخاطرة بالقفز والبقاء في انتظارالنيران فالقطار يتحرك بسرعة كبيرة وقد يتعرض من يقفز لموت محقق. أخرج رأسه من إحدى النوافذ فإذا به يرى ألسنة من النيران تنتظر الفرصة لتقتحم العربة و رأى جسم القطار في الأمام كقطعة من جهنم...كسهم من نارمنطلقا حاملا معه الموت. بدأ الخوف يتملك قلبه وأحس بحرارة اللهب تدنو من جسده وهو لا يدري ماذا يفعل فأخذ يتحرك في العربة بفكر مشلول , يقف في الزحام بجانب الباب ثم يرجع إلى النافذة في حركة عصبية مصطدما ببعض الركاب الذين أنتاب كثير منهم نفس الحالة بينما جلس القليل في حالة من التضرع الممزوج بالخوف... وإذا بالنيران تغزو العربة وبدأت ألسنة منها تقترب كمخالب تبحث عن فريستها ... أصبح الدخان كثيفا جدا بحيث حجب عنه الرؤية تماما فعلم أن النهاية قد اقتربت وأن الموت بدأ يطرق الأبواب... نظر بعمق إلى الدخان الذي وجده يرسم وجوها لأناس كان يعرفهم...أناس خدعهم...أناس غدر بهم ... هاهو التاجر البسيط الذى سلبه دكانه الصغير ليستولي عليه بخطة محكمة يظهر له... هاهي الأرملة التي غرر بها و استغلها حتى سلبها كل ما تملك تنظر إليه... كلهم حضروا لم يتخلف أحد منهم حتى رجل المحطة الذي قاده الطمع ليكون هو محله في تلك الأهوال. رأى النيران تقترب...لم يعد يعلم أهي نيران الموت أم نيران ما بعد الموت فهو لم يعد يثق أنه لايزال على قيد الحياة ...أخذ بكل تفكيره يحاول أن يتذكر بعض تلك الجمل الدينية البسيطة التي كان والده الراحل يحاول أن يعلمه إياها ولكن ذكريات آثامه احتلت تفكيره وشلت ذاكرته وسخرت فكره لعرض أحداثها فقط وأخيرا وبعد كل تلك المحاولات تذكر جملة قالها إمام مسجد قريته, يوم جلس معه يحاول أن ينصحه بعد أن كثرت شكاوى أهل القرية من سلوكه. قال له إن باب التوبة مفتوح دائما ... التوبة... نعم التوبة... لم تكن مهارة لم يكن دهاء بل كانت خسة ونذالة واحتيالا... بدأ الندم يتملكه وأحساس الذنب يملأه وهو يردد لأول مرة كلمات الإستغفار وبينما هو يتمتم تلك الكلمات إذا بالقطار يتوقف فجأة و بدأ جميع الركاب النزول وهم لا يصدقون أنهم قد نجوا وأن الحياة تستقبلهم من جديد. توجه إلى مقعده ليحمل حقيبته ثم أسرع إلى الباب وفرحة النجاة تغمره... ولكنه تعثر وكاد أن يسقط فقد كان أحد الركاب قد سقط أرضا ربما من ضيق التنفس وربما من الذعر وكان شاب يحاول مساعدته على استعادة وعيه بينما لمح هو بعينيه الثاقبتين ساعة قيمة في يده. كان القطار قد توقف صدفة في منطقة قريبة جدا من قريته التي سلك طريقه إليها وهو يهندم من مظهره وينظر إلى الساعة القيمة التي زينت معصمه!

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الجمعة أكتوبر 10, 2008 7:32 pm

وحتى لا يستمر اللون الأحمر

نظر إلى مرآة السيارة وكأنه يرى ملامح وجهه لأول مرة و يلمح شيئاً ما لم يعتده من قبل في عينيه، بدايات ثورة و دقات خافتة لطبول حرب على وشك البدء.أتجه بنظره إلى إشارة المرور الحمراء و تنهد بقوة ثم قال:
- يجب أن ينتهي كل شيء اليوم.
ثم نظر حوله ليجد السيارات وهي تقف أسيرة تلك الإشارة، والأبواق العالية تخرج منها لتطالب بالمرور، وتطلع إلى ساعته وتأمل العقارب وهي تشير إلى العاشرة مساءً ورنين هاتفه المحمول لا ينقطع أبداً منذ أكثر من ساعتين وهو يرفض أن يرد، ربما لأنه يعرف شخصية المتحدث، وربما لأنه يعرف أيضاً ماذا يريد المتحدث منه.
نظر إلى مرآة السيارة من جديد وتأمل رابطة العنق الحمراء وهو الذي لم يكره لون في حياته مثلما كره اللون الأحمر، ولأن اليوم هو بداية الثورة على كل شيء فقد نزع رابطة العنق وألقاها بقوة جانباً، ثم اكتست ملامحه بقسوة عجيبة وتأمل إشارة المرور من جديد ولونها الأحمر وأصدر قراره بهزيمتها، و اتجهت يداه إلى عجلة القيادة وانطلقت السيارة لتكسر أسر هذه الإشارة التي لم يكن لها ذنب سوى أن لونها الأحمر قد جعله أسير انتظار وهو الذي قد قرر أن يحطم كل أشكال الأسر هذا اليوم، ولم يأبه بأبواق الاستنكار ولا بقلم شرطي المرور وهو يسابق الوقت من أجل تسجيل رقم سيارته على الورقة، لم يهتم لأمر كل هذا، وما بين رنين الهاتف المحمول ومؤشر السيارة الذي يعلن عن سرعة كبيرة وما بين قطرات المطر التي بدأت تتساقط وتلك النسمات الباردة، وصل إلى بيته ونظر إليه وكأنه يتأمله لأول مرة أو وكأنه يريد أن يتأمله لآخر مرة.
خرج من باب السيارة ورفض أن يرتدي المعطف برغم برودة هذا الشتاء، أو ربما لم يكن الشتاء هو السبب في رفضه لارتداء هذا المعطف وربما كانت بدايات الثورة التي وضعت نارها وبدأت أولى الخطوات هي السبب..!!، و لكنه أمسك برابطة العنق الحمراء و لا يعرف لماذا..؟؟ و أنطلق نحو شقته و صعد السلم بقوة على الرغم من وجود مصعد كهربائي و برغم وجود شقته في الدور التاسع إلا أنه صعد السلم في لحظة تمرد على كل شيء، ووصل إلى الشقة و بمجرد أن فتح الباب حتى وجد زوجته تجري إليه و دموع عيناها تتساقط و تحتضنه و كلامها يخرج منها مشوشاً بفعل الدموع، و لكنه لم يحضنها و لم يحاول حتى أن يهدئ من روعها، فهو يعلم جيداً أنها القصر الذي يريده أن ينهار أو أنها القيد الذي يريده أن يتحطم، حتى لو كانت قيداً حريرياً، لكنها كانت قيداً على أية حال، و جاء الوقت ليتحطم القيد و لتسقط جدران القصر التي ماتت خلفها كل أحلامه و رغبته في أن يعيش حياته كما يحلو له، يعرف جيداً أن زوجته لم تخطئ في حقه و لكنه أخطأ في حقها و في حق نفسه عندما تزوجها و هو لا يحبها نزولاً على رغبة والدته المريضة، أخطأ في حق زوجته عندما جعلها تصدق أنه يحبها و يحب كل ما تفعله و جعلها تصدق أنها تملك أحلامه و أنها أميرة حياته و ظل يبني لها قصور حب دون أن يدري أن هذه القصور سوف تتحول إلى سجنٍ يكبل قلبه بأغلال لا مفر منها إلا بهذه الثورة التي سوف تطيح بكل شيء و بأي شيء.
فك ذراعيها بهدوء من على عنقه و أبتعد إلى الوراء قليلا ً و حانت لحظة الحرب و بدأت الطبول تعلو و كل السبل يراها مهيأة لذلك و خصوصاً بعد أن توفت والدته و لم يعد هناك داعٍ لأن يستمر في تلك المسرحية الهزلية التي يجب أن تنتهي فصولها إلى الأبد، و سوف يخبرها بأنها كانت عظيمة و جميلة و لكن قلبه كان و مازال يتعلق بأخرى، و سوف يطلب منها الغفران لخطيئته في حقها لأنه لم يعد بوسعه أن يستمر و لن يستمر.
نظر إلى زوجته، تأمل عينيها و الدموع التي بدأت تهدأ، و قرر أخيراً أن يتحدث و أن يعلن ثورته.
" أبي " كلمة خرجت من طفلته الصغيرة التي لم تتجاوز الأربع سنوات و هي تجري إليه، و تفتح ذراعيها و كأنها طائر يقترب من بيته الدافئ.
حملها ثم طبع قبلة حانية على خدها الصغير الوردي، قبل أن يتنهد و يلقي بنفسه على أقرب مقعد و هو يحمل طفلته و ينظر إلى وجهها و براءة عينيها.
جلست زوجته على الأرض و وضعت وجهها على كفه ثم قالت:
- طلبتك عبر الهاتف المحمول عدة مرات و لم تجب، كنت خائفة عليك لدرجة كبيرة.
ثم نظرت إليه و سألته:
- اليوم بارد للغاية، لماذا لم تلبس معطفك الثقيل ..؟؟
لم يجبها و لم تنتظر هي إجابة لأنها قالت :
- كل عام و أنت بخير، اليوم هو عيد ميلادك .
ثم وقفت و واصلت حديثها :
- أغمض عينيك
أغمض عينيه و هو يري أن طبول الحرب تخفت رويداً رويداً إلى حد أنه لا يستطيع أن يسمعها بوضوح الآن.
فتح عينيه عندما أخبرته زوجته بذلك ليجد علبة أنيقة بها رابطة عنق حمراء، أبتسم و هو ينظر إليها قبل أن تقول زوجته:
- هل أعجبتك..؟؟ أعرف أنك تحب اللون الأحمر .
نظر إلي زوجته، تأمل ملامح وجهها و فرحتها الكبيرة ثم قال :
- طالما أنك تحبين هذا اللون فأنا أيضاً أحبه.
كان يعرف أن كلماته كاذبة، و كان يعرف أن أية ثورة سوف تموت عند صدق مشاعر زوجته و ضحكات طفلته الصغيرة، و لكنه لم يعرف بعد هل سيظل مصدر فرح لهم و قلبه يدق بالأحزان..؟ و هل سيستمر في لعب هذا الدور ..؟، أم سيأتي يوم ينتصر فيه لنفسه و تخرج ثورته للنور دون وضع اعتبار لأية ضحايا،
وحتى لا يستمر اللون الأحمر ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   السبت أكتوبر 11, 2008 6:05 pm

الأوراق قد تنمو بالخريف

أسرع البواب بفتح بوابة " الفيلا " الحديدية لتدخل منها السيارة السوداء الفاخرة و ما هي إلا لحظات حتى أسرع سائقها بفتح الباب ليخرج منها رجل و سيدة على درجة عالية من الأناقة، اتجها معاً إلى باب "الفيلا" ثم أخرج الرجل مفاتيحه و فتح الباب ليتجه وسط الظلام و بخطوات بطيئة إلى المقعد الكبير و يرتمي عليه، في حين أضاءت السيدة أنوار الردهة الكبيرة و همت بمناداة الخادمة إلا أن الرجل قاطعها و قال لها :
- رجاء دعي الفتاة تنام فنحن بعد الرابعة صباحاً.
وضعت حقيبتها الفخمة على المنضدة التي تتوسط الردهة الكبيرة و قالت :
- دائماً قلبك يرق للخدم.
رفع رأسه إليها و قال بصوت ممتزج بالحزن :
- ربما لأنني أنحدر منهم .
ردت بعصبية :
- " فؤاد "، ألم تمل من هذا الموضوع !؟، خمس و عشرون سنة من الزواج و لا تنسى !!!؟؟؟
أبتسم بمرارة و قال :
- ربما هو الشيء الوحيد الذي لم أنسه وسط كل شيء نسيته .
أدارت ظهرها له و همت بصعود السلم إلا أنه قال لها :
- الفرح انتهى، و جاء الوقت لنتحدث..!
التفتت و قالت بحدة :
- اسمع، لقد قلت لك فيما قبل أن نؤجل نقاشنا إلى ما بعد فرح ابنك خشية أن تفسد فرحته بتصرفاتك، لكني أرفض ما تريد أن تفعله و لا مجال للنقاش.
قام من مقعده و أقترب منها قليلاً و قال :
- دائماً لا مجال للنقاش، و لكن اليوم سوف أقول لك أنه يوجد مجال للنقاش.
ذهبت إلى وسط الردهة و قالت له و هي تعطيه ظهرها :
- حسناً، ماذا تريد أن تقول ؟ هل سترفض أن تأخذ القضية !؟
أجابها بهدوء ممتزج بالألم :
- و ماذا تريدين أن أفعل ؟؟
التفتت إليه و قالت :
- أتريد أن ترفض قضية لشخص مثل " صبحي " بيه، من المؤكد أنك مجنون .!
نظر إليها و تجاهل إهانتها و قال :
- أنت تعرفين جيداً أنه مذنب و يريد أن يلفق الاتهامات لشخص آخر ..!
اقتربت منه كثيراً و قالت :
- كم موكل ترافعت عنه و كان مذنب ؟؟ ما الأمر الآن ؟؟
كان يعرف أنها محقة، و كان يعرف أن شهرته كمحام كبير تعود إلى ارتباطه بشخصيات مثل "صبحي بيه" و غيره و كان يعرف أن معظم من ترافع عنهم كانوا مذنبين و بذكائه الحاد كان يستطيع أن يخرجهم من كل الأزمات.
قال لها بهدوء و هو يجلس على المقعد الكبير :
- أنت محقة تماماً فيما قلت، لكني الآن أريد أن أتوقف عن كل هذا .
ابتسمت ابتسامة خبيثة و قالت :
- تريد أن تتوقف .! من أجل من !!؟؟
أجابها :
- من أجل نفسي .
جلست على المقعد المقابل و وضعت قدم على الأخرى و قالت :
- لا ليس من أجلك بل من أجلها هي ؟؟ زوجة صديقك التي زارتك بالمكتب منذ عدة أيام و جعلت حالك يتبدل و تريد أن تهدم كل شيء، ألم تكن هذه المرأة هي حبك الأول ؟؟
تنهد بقوة و قال :
- حبي الأول..!! لقد نسيته وسط أشياء كثيرة نسيتها منذ أن اتخذت قرار محو نفسي بوجودك .
انتفضت من مقعدها و قالت بعصبية :
- وجودي في حياتك محا ملامح ذاتك.
أشارت بيدها إلى " الفيلا " و قالت :
- أكنت تحلم بأن تعيش في" فيلا " مثل هذه .!؟ ، أن تجلس على مقاعد مثل هذه .!؟، أن تركب سيارة مثل التي تركبها.!؟، أن تقيم فرح ابنك في أكبر فنادق البلد.!؟
وقف و قال بهدوء :
- نعم كنت أحلم بهذا و لم يكن هذا سيء، لكن المؤسف هو أن تحققت أحلامي.
ارتسمت علامات الدهشة على وجهها قبل أن تقول:
- من المؤسف أنك أصبحت " فؤاد " صاحب أكبر مكتب محاماة في مصر، و صاحب الاسم اللامع و زوج " شهيرة " هانم التي كان يتمناها كل أثرياء البلد و فضلتك أنت من دونهم.
أتجه بقوه إليها و أمسك ذراعيها بعنف و قال :
- أكملي كلامك، قولي، و أنت الشخص الفقير الذي تعرفت عليه في الجامعة صاحب الثياب القديمة و الحذاء البالي، أليس هذا ما تريدين أن تقوليه .
نزعت ذارعيها من يديه و قالت بضيق :
- ماذا تريد من كل هذا، و لماذا تأتي الآن لتثير هذه الضجة، ابنتك تزوجت من دبلوماسي و ابنك تزوج من ابنة سياسي كبير، و أنت مرشح لمجلس الشعب، ماذا تريد الآن؟؟
انهار على المقعد و قال و هو يقاوم الدموع :
- أريد أن استعيد نفسي .
قالت له :
- و كيف يمكن أن تستعيد نفسك.!؟ هل تريد أن تدافع عن صديقك و تقف في مواجهة " صبحي " بيه ، رئيس مجلس الإدارة و عضو مجلس الشعب .!؟
جلست على المقعد المقابل لمقعده و استكملت حديثها:
- " فؤاد " أفق حتى لا تضيع كل شيء في لحظة غباء.
رفع رأسه لها و قال :
- أنت تعرفين أن " صبحي " هو المذنب الحقيقي و أنه يريد أن يلقي بالتهمة على مجموعة من الموظفين البسطاء و من بينهم أعز أصدقائي.
وقفت و قالت بعصبية :
- هذا الشخص التافه ليس أعز أصدقائك، لقد كان صديق لك منذ خمسة و عشرين سنة و الآن هو موظف بسيط في شركة، و أنت أصدقاؤك من يديرون هذه الشركة و شركات أخرى .
ثم توجهت إلى مقعده و انحنت قليلاً حتى أصبح وجهها في مواجهة وجهه و أكملت حديثها :
- و أين كنت من صديقك طيلة الأعوام الماضية، أتريد أن تقول أن الصداقة تفجرت فجأة بداخلك.
نظر إليها و صمت قليلاً ثم قال :
- نعم تهت عن صداقتي، كما تهت عن أشياء كثيرة جميلة عرفتها في الماضي.
استدارت و قالت له و هي تعطيه ظهرها :
- و زيارة حبيبة القلب فجرت ينابيع الصداقة، أليس كذلك ؟؟
وقف و ابتعد صوب المنضدة التي تتوسط الردهة ثم استدار و قال لها :
- سؤال كنت أريد أن أسأله لك طيلة فترة زواجنا الطويلة، لماذا تزوجتني و أنت تعرفين أنني متعلق بأخرى ؟؟
لم تجب و ظهرت علامات الضيق على وجهها و هي تخرج من جيب معطفها الفرو علبة سجائر أنيقة .
اتجه إليها و أمسك ذراعها بهدوء و جذبها برفق لتواجهه ثم قال :
- أقول لك، حب تملك ليس أكثر، كنت تعرفين أن شخصاً لا قيمة له مثلي سوف يكون طوع أمرك.
ابتعدت عنه و صعدت أول درجتين من السلم ثم توقفت عندما قال بصوت عالٍ :
- لماذا تزوجتني ؟؟
استدارت و قالت بعصبية :
- و لماذا تزوجتني أنت، أجيبك أنا ..!! من أجل المال و من أجل طموحك الكبير، و من أجل أن تصبح من الأثرياء و لقد حققت لك كل هذا.
نظر إلى وجهها و تأمله بعمق دون أن يجيب، لأنه كان يعرف أنها تتحدث بالحق على الرغم من قسوة كلماتها، و بعد فترة صمت قليلة قال لها :
- هل تحبينني يا " شهيرة " .!؟.
أرتفع حاجبيها في دهشة و قالت بسخرية :
- أتأتي بعد كل هذا العمر لتسال هذا السؤال، أنت لم تسأله لي حتى في سنوات عمرنا الأولى .
قال لها :
- و لكني اسأله لك الآن.
تنهدت و هي تقترب منه ثم قالت :
- " فؤاد " أنا لا أكرهك و أعترف أنني تزوجتك من أجل ضمان زوج لا يتلاعب بي و بثروتي خصوصاً أنني الابنة الوحيدة لأبي و كنت أعرف أن بعد وفاته سوف يظهر الكثير من الأشخاص الذين يريدون نهب ثروتي، لذلك كنت أريد شخصاً لا خوف منه، يراعي ثروتي و آمن جانبه و كنت أنت هذا الشخص فلقد كنت طالباً متفوقاً في الكلية و تنبأ لك الجميع بمستقبل باهر و كنت أراقبك، و في السنة الأخيرة قررت أن تكون أنت من يشاركني حياتي.
ابتسم بأسى و قال لها:
- بل من يتبعك، لا من يشاركك حياتك.
تنهدت بضيق و قالت :
- أنا متعبة و أريد أن أنام، هل ستذهب لتنام أم ستجلس هنا.
نظر إليها ثم قال :
- أنا سأخرج الآن.
قالت بضيق :
- هل ستذهب إلى المكتب في هذا الوقت.
أجابها و صوته يختلط بالدموع :
- لا، بل سأذهب إلى ناس افتقدتهم طيلة أعوام كثيرة.
أمسكت بذراعيه و كأنها تريد أن تمنعه من التحرك و قالت بحدة:
- لا تفسد كل شيء بغبائك، لن تنجح في استعادة شيء تركته منذ سنوات طويلة.
قال و دمعة تسيل على خده:
- سأحاول حتى.
تبدلت لهجتها و خفت الحدة التي كانت تتحدث بها بعد أن أيقنت أنه يتحدث بجدية و قالت :
- " فؤاد " صديقك سوف يتم إيداعه السجن، و أنت لن تنجح في فعل شيء، و ستخسر كل شيء و تفتح جبهات من النار لن تستطيع أن تقف بمواجهتها.
قال لها و هو يمسك يديها برفق و كأنه يستعطفها :
- دعيني أحاول أن أستعيد نفسي.
جذبت يديها بقوة ثم قالت بحدة :
- و من أدراك أن صديقك برئ ، مرت أعوام كثيرة جداً حيث كل شيء يتبدل و يتغير و من الممكن أن يكون قد ...
قاطعها و هو يقول :
- هناك نوعية من الناس لا تشوهها الأيام بل تزيدها نقاء، لكنك دائماً وسط من يشوهون الأيام و من تشوهم الأيام.
استدار ثم انصرف و فتح باب " الفيلا " و هم بالخروج إلا أنه توقف عندما قالت له :
- سوف تفشل سواء كان صديقك بريئاً أم لا ، سوف تفشل و سوف تخسر كل شيء ، أسمعت سوف تخسر.
التفت إليها و قال :
- لقد عشت خمساً و عشرين سنة من عمري و أنا أخسر، فدعيني في الأيام القادمة أحاول أن أكسب أي شيء.
أغلق الباب خلفه و اتجه للخارج في حين ظلت " شهيرة " صامتة تماماً وسط الردهة الكبيرة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الإثنين أكتوبر 13, 2008 6:28 pm

العجوز و طعام العشاء

كانت عقارب الساعة القديمة تتابع معلنة قرب وصولها إلي تمام الثانية عشرة مساء، والهدوء ‏يسيطر على هذا المنزل الأثري وحزمة أشعة من أضواء المصابيح العتيقة تشق طريقها لتبدد القليل ‏من ظلمة المكان، و حتى هذا العصفور الصغير كان يستكين في قفصه مستمتعاً بهذا الهدوء، و ‏بينما كان كل شيء هادئ تماماً في هذا المنزل كانت الأمور تختلف في ذلك المطبخ الصغير و الذي ‏شغلته تلك العجوز و هي تحاول إنهاء كثير من الأعمال بينما تنظر للساعة القديمة كل دقيقتين تقريباً و ‏كأنها تخشى من ميعاد ما أو أن تخدعها العقارب و تتحرك في غفلة منها إلى حيث لا تريد، بعد أن ‏وهبت كل تركيزها لإعداد طعام العشاء و برغم سنها الكبير و الذي جاوز السبعين عاماً و الأمراض التي ‏تحتل أماكن كثيرة في جسدها و تعبث بها، و برغم تحذير الأطباء لها من مجرد بذل مجهود صغير، ‏و برغم حبات العرق الغزيز و التي بدأت تداهم وجهها و دقات الألم المتتابعة التي بدأت تنطلق في ‏أجزاء كثيرة من جسدها، برغم كل هذا كانت تصر على أن تُـُكمل طعام العشاء و وسط الإصرار، ‏غفلت عن متابعة الساعة القديمة و تسللت العقارب اللعينة رويداً رويداً وعبرت إلى ما تخشاه ‏العجوز، بل و تمادت فوق ذلك بكثير، و لكن العجوز لم تكن تحتاج إلى الساعة هذه المرة بعد أن ‏تعالت دقات الألم في الجسد و ضربت بقوة، عندها حاولت العجوز أن تتمالك نفسها و لكنها لم ‏تستطع و سقطت على الأرض و هي تحاول الإمساك بأي شيء و نظرت إلي الساعة و أيقنت أن ما ‏كانت تخشاه قد حدث، وأرادت أن تصرخ و أن يسمعها أي شخص ولكنها لم تقوى حتى على الصراخ و ‏بدأت رحلة أخري من الكفاح و هي الزحف إلى غرفة نومها و التي تبعد عنها عدة أمتار قليلة ‏لكنها رأت الغرفة على بعد أميال و هي تزحف و تزحف معها عقارب الساعة و يتردد صدى ‏الصرخات داخل صدر العجوز فينسج ألم كبير داخل الجسد الواهن، و يبدأ عدم الحراك يدب في ‏يدها اليسرى، لكنها و بكل ما تملك من قوة العجائز أطلقت يدها اليمني من أجل الوصول و بعد ‏صراع وصلت إلى باب غرفة النوم ورفعت رأسها و نظرت إلي هذا البرواز الخشبي العتيق و الذي ‏يحمل صورة الزوج و تذكرت في لحظات قصيرة رحلة كفاحها معه و كيف كان نعم الزوج الحنون ‏إلي أن توفى و ترك لها ابناً صغيراً جاء بعد سنوات عقم طويلة، لقد وهبت هذا الابن كل حياتها و ‏رفضت الزواج من أجله و عاشت له، ثم اتجهت بعينيها إلي تلك النافذة الصغيرة و تأملتها و تذكرت ‏كيف كانت تنتظر ابنها و هو عائد من المدرسة أو الجامعة و هي ترفض أن تتناول أي طعام إلا ‏عندما يأتي و تأكل معه و كم كان يتأخر عليها و يتركها وحيدة و يقسو أكثر عندما يرفض ‏مشاركتها الأكل و يذهب لينام و لا يحدثها إلا قليلاً. تلك النافذة التي وقفت فيها كثيراً خائفة على ‏ابنها الوحيد من مخاطر الزمن، ثم استدارت باتجاه هذه المنضدة الصغيرة المجاورة للسرير ‏ووجدت ما تبحث عنه، حبوب الدواء..!! أرادت أن تصل إليها أن تلمسها و بدأت رحلة زحف أخري ‏و عدم الحراك يبدأ في ضرب يدها اليمني و لكنها زحفت وارتفعت دقات الألم إلي أقصى درجاتها و ‏وصلت العجوز و رفعت يدها اليمني مستغلة ما بقي فيها من حياة و برغم رعشة اليد و تنهدات ‏الألم و صرخات الصمت أمسكت بها، و أخذتها إلي حضنها و لكنها لم تكن حبوب الدواء، بل ‏صورة ابنها الوحيد و كأنها أرادت أن تتلمسها لتخفف بها أوجاعها، و دموع عينيها تنهمر و هي ‏تتمنى أن يكون هنا الآن ليس من اجل أن يناولها الدواء و لكن من أجل أن تموت بين ذراعيه، ‏ووسط كل هذا رن جرس الهاتف و جاءها صوت ابنها الوحيد و هو يترك لها رسالة، جاءها عالياً ‏ضاحكاً و أصوات أصدقائه و صديقاته حوله تتعالى في مجون، جاء هذا الصوت ليخبرها أنه سوف ‏يتأخر كعادته عدة ساعات أخرى، و لكنها هذه المرة لم تسمع كلماته عبر الهاتف بعد أن استكان ‏الجسد إلي الأبد، في حين ظلت ضحكات الابن مع أصدقائه تتواصل و دقات الساعة تتابع و مازال ‏العصفور الصغير في قفصه يستمتع بالهدوء.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الجمعة أكتوبر 17, 2008 5:54 pm


المذياع و الفستان الأزرق

اليوم هو أسعد أيام عمره، و لم لا ؟ وحلمه الرائع قد تحقق أخيراً، قد جاء الوقت ليري ما تمناه يوماً و قد تحول إلي واقع من الممكن أن يلمسه بيده و أن يتعايش معه في حياته بعد أن تعايش معه الآلاف المرات في خياله و علي الرغم من أن النوم قد خاصمه هذه الليلة...فلا يهم ... فهو علي موعد غداً مع حلمه الكبير و يمكنه أن يقضي ليلته في استعادة جزء من صفحات الذكريات. عندما توفي أبوه عامل اليومية و هو مازال صغيراً و اضطره هذا الأمر إلي أن يترك دراسته ليعمل و هو الطفل الذي لم يتجاوز عمره حينها العشر سنوات، و ما بين كل الأعمال قد تنقل وعلي كل أنواع الصبية قد تعرف إلا أنه لا ينسى ذلك الفتي المسمى " شعبان" زميله في أحد الورش الميكانيكية و الملقب بالشيطان لكثرة الجرائم التي تحققت علي يديه و كم من مرات قد أودع الإصلاحية إلا أنه كان دائم الهرب. و عند تلك النقطة توقف و قال لنفسه " ياه يا بدوي أنت هتقلب علي نفسك المواجع ليه" فهو لا يريد أن يفسد حلمه بهذه الذكريات الصعبة، ثم اتخذت عيناه اتجاهاً رسم علي شفتيه بسمة صافية حانية ... عندما نظر إلي ابنته التي لم تبلغ السادسة و هي نائمة و يبدو أن عينيه كانت تستطيع أن تأخذ كل الاتجاهات من موقعه هذا فشقته لا تتعدى كونها غرفه واحده و لكنها كانت قصراً له فزوجته هي ملكته و صغيرته قد أعطى لها لقب الأميرة وسوف يأخذ أميرته معه غداً. فهو أحلى أيامه ... و فجاءه تنبه إلي أن الصباح قد بدأ يتسلل إلي الخارج و أن الغد قد جاء، و يا لها من سعادة قد غمرت وجهه و كأنه طفلٌ أنتظر أول أيام العيد ليعانقه، أنتفض من مكانه و أيقظ زوجته و ابنته و أصبح العمل يجري علي قدمٍ و ساق استعداداً لذلك الحدث الهام،عملٌ يجري وسط الغناء و الضحكات الصافية و بعد أقل من ساعة كانت خطواته ترافق خطوات الصغيرة معاً إلي حلمه الكبير و لم ينس أن يُلقي بالتحية لكل من قابله في الشارع الضيق الوعر الذي يسكن به بهذه الحارة المتهالكة المباني المتلاصقة جنباً إلي جنب و كأنها تـأخذ من تجاورها و تلاصقها قوة تواجه بها هذا الزمن الرديء. كان كلما ألقى عليه أحد التحية أو ألقى هو التحية علي أحد يؤكد لنفسه أنه سوف يستطيع أن يسدد ما أقترضه منهم، فالعشرين جنيها التي اقترضها من هذا البائع الطيب لعلاج زوجته منذ فتره ستعود والخمس جنيهات و التي أخذها من ذلك الصديق الوفي لشراء بعض الأدوات المدرسية لأبنته أيضا ستعود ...صحيح أنه لم يحدث وطالبه أحد أبداً بهذه الأموال و لكنه سيعيدها بعد أن أضحى حلمه حقيقة ... و ما أجمل هؤلاء الجيران فلم يقس عليه أحد منهم لمعرفتهم بظروفه الصعبة .و لكنه سيسدد اليوم و سيشتري المذياع أخيراً لزوجته ليكون أول جهاز كهربائي يدخل بيته..عفواً غرفته.. و الفستان الأزرق أمنية ابنته، ستتحقق كل أحلامه اليوم. تنهدة قوية خرجت من صدره و هو ينظر إلي ابنته الصغيرة، أميرته التي أصرعلى أن تصبح طالبة ورفض فكرة أن تعمل من أجل مساعدته. ها هي الحافلة قادمة، نعم لن يسير اليوم فأميرته بصحبته و لها حق التميز، و ما بين الزحام و الأصوات العالية وصلت الحافلة إلي مقصده فنزل وهو يهم أن يعانق حلمه الجميل و أن يأخذه بين يديه كعاشقٍ اشتاق إلي حبيبته. و لكن كل أحاسيس العاشق تجمدت فجاءه وتوقفت خطاه عن السير فهو لا يصدق ما يحدث إلا بعد أن تلقاه احد الباعة الجائلين ليخبره بأن صاحب المقهى الفخم و المقابل لكشكه الصغير قد استغل نفوذه لإزالة هذا الحلم. تجمدت خطاه و تحجرت الدموع في عينيه و استطاع أخيراً أن يجر ما تبقي له من خطا إلي ما تبقي من ذلك الحلم وهو يري واحد من أصحاب الزي الأبيض و الذي يحمل صفه أمنيه يركل ما تبقي من ذلك الأمل و عندها أرتمي علي بقايا حلمه و كأنه يريد أن يحمي قدسيتها من قسوة الحذاء الغليظ، و لكن صفعة قويه من صاحب هذا الزي كانت كفيله بإحباط محاولته، صفعة أخرجت من الأميرة الصغيرة صرخة حملت كل معاني الخوف و الرعب والرفض للظلم نسيج مشاعر يعجز أن ينسجه حتى أعظم الشعراء و تقف فرشاة أمهر الرسامين عاجزةً عن تصويره و بدأت صفعه أخري تأخذ طريقها لوجهه في حين أمسكت الطفلة الصغيرة حجراً و أطلقته نحو ذلك الشخص و بالرغم من أن الحجر لم يصل إلي مراده و لكنها أرادت حماية أبيها من الصفعة الثانية و التي وصلت إلي هدفها، جرت الطفلة إلي أبيها و ألقت بنفسها بين أحضانه و كأنها تريد حمايته و كأنه أرادها بين ذراعيه ليطلق عينيه للدموع وسط ضحكه انطلقت من صاحب المقهى و هو داخل سيارته الفخمة .
خمسة اشهر بعد هذه الحادثة .... أعلنت قوات الأمن عن كفاءة رجالها البواسل ....!!! في القبض علي عصابة للتهريب و كانت من بين الأسماء المعلنة أسماء ...شعبان و بدوي ..


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   السبت أكتوبر 18, 2008 7:54 pm

مصيلحي والباشا الوزير

مر " سيد " من على الغيط في وقت الظهيرة و هو يقفز فرحاً و يقول بصوت عالي :
- الوزير جاي يا بلد، الوزير جاي يا بلد
كان بالغيط " مصيلحي " بن الحاج " دسوقي " و " على " بن الحاج " إبراهيم " الذي قال :
- الوله أتهبل، وزير ايه اللي هيجي البلد دي.
سمعه " سيد " فتوقف و قال له غاضباً :
- و أنت مالك يا أبن فكيهة، أيوه الوزير جاي.
علي :
- أنت كداب يا سيد
رد " سيد " بضيق :
- و الربعة الشريفة الوزير جاي، أبويا الحاج دسوقي شافه في التلافزيون، على قناة خواجاتي، كلمه علطول و قاله لازمن ييجي.
نظر " على " إلى " مصيلحي " و قال بضحك :
- أبوك فتاش أوي يا مصيلحي.
ظهر الضيق على وجه " مصيلحي " و قال بغضب شديد:
- اسمع يا واد يا علي، أنا ما جبتش سيرة أبوك يبقى ما تجبش سيرة أبويا
علي :
- أنا محقوقلك، و يدهسني قطر إن لساني جه على لسانك بعد كده...
اتجه " علي " صوب البساط الموجود بطرف الغيط غاضباً و لكن " مصيلحي " قال :
- حدانا عزيق يا علي، و بلاش ندخل أبو جنيه على أبو أربعه .
عاد " علي " و هو متضايق و لكنه كان يعمل متجنباً محادثة " مصليحي " و فجأة ظهر شبح امرأة من بعيد تأتي مسرعة و هي تقول :
- أنت يا واد يا مصيلحي، سامعني يا وله ...
نظر " مصيلحي " فرأى " ست الدار " بائعة الجبنة القريش فقال لها :
- خير ان شالله يا أم عبد الباسط.
قالت " ست الدار " بغضب :
- فِذ يا واد من مطرحك، و تعالى ريحي ...عايزاك.
ضحك " علي " و قال :
- و عندك واحد زبيب عشان الليلة صباحي، ماشي يا عم و بتاعة الجبنة كمان ...
تحرك " مصيلحي " صوب " ست الدار " و هو يحمل فأسه و قال لها :
- عايزه ايه يا وليه
ست الدار:
- صحيح يا وله اللي داير في الكفر ده
مصيلحي :
- و ايه اللي داير في الكفر يا وليه.
ست الدار :
- بيقولوا أن أبوك شاف الوزير في التلافزيون على قناة خواجاتي، و كلمه ... و قاله على الحال المايل بتاع البلد قام الوزير قاله و لا يهمك يا حاج دسوقي، من النجمة أكون حداكم.
قال لها " مصيلحي " و هو يشهر فأسه في وجهها:
- يا وليه أشق راسك بالفاس، أبويا كلم الوزير في التليفزيون ... أنتي أتهبلتي يا وليه ..أنجري جتك خابط .
مصمصت " ست الدار " شفتيها و قالت :
- أنتو كده يا ولاد دسوقي، ما منكوش نفع .
رحلت " ست الدار " و توقف " مصيلحي " للحظات تم استدار صوب " علي "و قال له :
- واد يا علي، خمسة كده و أكون عندك .
ذهب " مصيلحي " بسرعة و هو لا يأبه بسخط " علي " في الحقل لأنه كان يريد أن يتأكد من هذا الخبر و لذلك أخذ بلغته و ارتدى جلبابه و توجه صوب داره و في الطريق قابل الحلاق " إسماعيل " الذي قفز فرحاً فور رؤية " مصيلحي " و قال له :
- تصدق بأيه، أنا كنت هشيعلك الواد محمد أبني عشان عايزك
مصيلحي :
- و عايزني في ايه بقى يا حلاق الغبرة.
إسماعيل :
- موضوع الوزير يا وله
مصيلحي :
- أنت كمان بينك أتهبلت
ابتسم " إسماعيل " بخبث و قال :
- حقك يا بن الأكابر، شوف أنا ودبت الصالون بتاعي و طلعت المكوه دي اللي هي بتفرد الشعر و خليته ألاسطه عشان لما الوزير يشرف، ما يسلمش الأمر برده من أنه ياخد دقنه ياخد شعره.
قال " مصيلحي " بحدة:
- خدك ربنا يا بعيد، و هو الوزير لما ييجي هيحلق عندك أنت يا حلاق الحمير.
أنتفض " إسماعيل " و قال:
- شفت أنت قلتها بعضمة لسانك، الوزير جاي أهو، يعني الخبر صحيح.
تركه " مصيلحي " و هو يضرب كف على كف و ما كاد يمشي خطوتين حتى وجد " صابر " على جاموسته و بمجرد أن رآه " صابر " حتى نزل من على الجاموسة و قال له :
- هنيالك يا واد يا مصيلحي، الوزير جاي و هياكل في داركم ... ما بدكش ركوبة لحد الدار
لم يرد " مصيلحي " و واصل طريقه و فجأة وجد يد قوية خبطته من الوراء على كتفه و صوت أجش يقول:
- واد يا مصيلحي، أنت هتقابل الوزير بجلخك ده .
التفت " مصيلحي " فوجد صديقه " أحمد " صاحب البنيان القوي و الصوت الأجش فقال له :
- يلهفك قطر يا ابن هنومة هو أنا حمل ضربة من أيدك يا أحمد
مسح " أحمد " كتف " مصيلحي " و قال له :
- هو في حد في الكفر عاد يقدر يبم في وشك، أنا بس عايز منك حاجة
مصيلحي :
- عايز ايه يا أحمد ؟ أوعى تكون هتتكلم عن موضوع الوزير، ده كله كلام نسوان.
أحمد :
- سبني بس يا مصيلحي أقول على اللي نفسي فيه
مصيلحي :
- قول
أحمد :
- هو مش الوزير بيبقى حداه فتوات عشان لو حد كلمه يقوموا يسكوه على قفاه، أنا بقى عايز أكون واحد من فتواته.
مصيلحي :
- يسكك واحد مجذوم على قفاك يا نتن، هو الوزير يا وله لما ييجي مستني فلاح زيك ياخده فتوة ليه.
أحمد :
- يعني الوزير جاي أهو، أمال بتقول ليه مش جاي، أنت صاحب أنت ..
أنصرف " أحمد " و هو ساخط على صديقه بينما أنصرف " مصيلحي " هو يضرب كف على كف و أخذ طريق مختصر إلى بيته عله يصل سريعاً و لكنه قابل " مرزوق " الذي توجه إليه مسرعاً و قال :
- واد يا مصيلحي، وزير مين اللي جي يا وله ...
ضحك " مصيلحي " و قال :
- ايوه كده يا مرزوق، خليك أنت عاقل ... صحيح وزير مين اللي جاي
قال " مرزوق " بحدة :
- يا واد أنا أقصد وزير الداخلية و لا وزير الأمن القومي .
لم يرد " مصيلحي " و ترك " مرزوق " و واصل رحلته صوب بيته و لكنه سمع صوت ناعم من شباك دار قريب يقول :
- سي مصيلحي
التفت " مصيلحي " إلى الصوت فوجده صوت " عنايات " تلك المرأة اللعوب التي توفى زوجها قبل عامين فقال لها:
- عايزه إيه يا أم فتحي .
عنايات :
- يا سي مصيلحي قرب حدايا، عايزاك في حاجة
مصيلحي :
عايزه ايه يا وليه
عنايات :
- عايزاك تعدلي الصينية اللي فوق الدار و تجبلي القناة الخواجاتي اللي أبوك لقى الوزير فيها و كلمه و قاله على حال البلد .
مصيلحي :
- وزير إيه يا وليه، أنت بتصدقي الكلام ده .
عنايات :
يا واد تعالى بس، هو أبوك بس اللي يكلم الوزير أنا عايزه أقول للوزير على الهم اللي شفته من العمدة بعد ما الراجل مات ... الراجل ده بصباص يا وله .
مصيلحي :
- تقصدي الوزير بصباص.
عنايات :
- وزير إيه، أنا أقصد العمدة يا وله.
مصيلحي:
يا وليه أنتي اللي شكلك كده استغفر الله العظيم، ده الوزير لو شافك يفتكرك غازية من المولد، ده أنتي عديت الخسمين و لسه بتحطي أيشي اصفر و أيشي أخضر.
قالت بضيق و هي تغلق الشباك بقوة:
- خمسين عقربة نتايه لما يلدغوك يا أبن هنية .
توجه بسرعة صوب الدار و هو يسرع الخطى حتى لا يستوقفه أحد و أخيراً وصل إلى الدار و رأى شقيقته و هي تطلق الزغاريد و تقوم بتحضير الشربات الأحمر و هنا همس لها فجاءت له مسرعة و هي تقول :
- هنيالك يا أخويا، الوزير جاي الدار و الدبايح هتشتغل و كله من عند كُبارات البلد .
رد عليها :
- فين ابوكي با بت .
قالت :
- بيلبس جوه عشان الوزير .
دخل " مصيلحي " الدار و وجد والده فقال له :
- إيه حكاية الوزير دي ...
ضحك الحاج دسوقي و هو يقول :
- فيه إيه يا واد يا مصيلحي ايوه أنا كلمت الوزير و جاي البلد.
مصيلحي :
بالذمة و الأمانة أنت كلمت وزير أنت .
الحاج دسوقي :
- أيوه كان موجود على قناة خواجاتي رحت مكلمه في التلافون .
مصيلحي :
- و أنت بتعرف كلام خواجاتي
الحاج دسوقي:
- كانوا مترجمين الكلام بالعربي.
مصيلحي :
- و أنت بتعرف تقرا...
قال الحاج دسوقي و هو يخرج من الغرفة بعد أن ارتدى أفضل ما عنده :
- وسع كده ...ابني أنت و لا أبويا ... أما مصيبة ...هتحقق معايا
كان " مصيلحي " يعرف أن أبوه فشار و دائماً ما أطلق الكذب حتى يحيط نفسه بهالة من البريق و اللمعان، و لكنه تمادى جداً هذه المرة و لن يكون الوزير سوى شخص من البندر يشغل منصب حكومي عادي و هنا توجه " مصيلحي " إلى الغيط و تجاهل كل من كلمه و هو يتصور فكرة أن يكتشف شخص ما موضوع الوزير المزيف و خصوصاً من شباب القرية المتعلمين و تخيل صفعة من يد " أحمد " أو شتائم من " ست الدار " أو ربما يطلق " صابر " جاموسته عليه ، و ظل " مصيلحي " لأكثر من ساعتين تحت الشجرة بالغيط لا يستمع إلى كلام صديقه "علي" و لكن يد قوية ضربته على كتفه و صوت أجش من وراءه قال :
- انت فين يا واد يا مصيلحي.
نظر " مصيلحي " فوجد صديقه " أحمد " و تصور أن ضربة قوية ستنزل عليه الآن و لكن " أحمد " قال له :
- شفت الخبر.
مصيلحي :
- خبر إيه.
أحمد :
- مش الوزارة أتغيرت.
مصيلحي :
- و أبويا برده اللي قال كده .
أحمد:
لا يا وله، ده العمدة عرف الخبر من التلافزيون.
أحتضن " مصيلحي " صديقه " أحمد " بشدة و هو يرى في هذه المسالة القدرية إنقاذ له و لأبيه و عليه فلن يأتي الوزير و لن يعيب احد على والده و لكنه ذُهل عندما قال له " أحمد ":
- بس لي عندك طلب .
مصيلحي :
- طلب ايه ما هو الوزير مش جاي لأنه ما عادش وزير.
أحمد:
- ما تبطل اللؤم ده.
مصيلحي :
- لؤم ايه .
أحمد:
- يعني ما نتش عارف.
مصيلحي :
- عارف ايه أنا ....
لم يكمل " مصيلحي " كلامه و أصابه نوع من الصمت الممتزج بالذهول عندما رأى " سيد " يقفز فرحاً صوب الغيط و هو يقول :
- هياخدوا الحاج دسوقي في الوزارة الجديدة يا بلد ... هياخدوا الحاج دسوقي في الوزارة الجديدة يا بلد

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الأربعاء أكتوبر 22, 2008 10:27 pm

من أجل رؤية أوضح

لم يمنعه الطقس السيئ من أن يقف في شرفة منزله الفخم يتأمل السماء الداكنة ويستقبل حبات المطر الغزير على كفيه، و تتلقى عدسات النظارة الطبية التي يلبسها بعضاً من هذه الحبات لتفقد معها بريقها رويداً رويداً، و ينتقل ببصره إلي ذلك المبنى العتيق المواجه لمنزله و الذي تساءل يوماً عن ماهية نفوس من يأتي إلي هذا المبنى ليشارك هؤلاء الأطفال الصغار وحشة وحدتهم وكان يقول أن لمسة حنان لا يمكن أن تعوضهم و لو قليلاً فقدان الأهل .!؟، رؤية.. رآها دوماً أوضح..! و صارت واحدة من مئات الرؤى التي تراكمت بداخله و منذ إدراكه للحياة و حتى بعد أن ساقته أيام الغربة في مدارها الأحمق لسنواتٍ طويلة وأنسته أنه يملك حياة و سكبت جنون السعي علي الأموال داخل نفسه المظلمة فراح يلهث وراء ظمأ لا ينتهي ، مزيج من التعبيرات المختلطة المشاعر ترتسم علي وجهه و التي لم يعتدها من قبل، لدرجة أنه خشي من أن ينظر إلي المرآة فلا يعرف ملامحه و يتوه رسمه بعينيه، وهذا اليوم ليس كبقية الأيام و لكنه أهم يوم في حياته، أو هكذا كانت رؤيته الواضحة لتلك الليلة.

لا يعرف ما الذي دفع تلك الصفحات من دفتر الماضي القديم إلي الظهور ، بعد أن دفع هو الدفتر بكل ما فيه إلي الوراء، وكان يظن أن رؤاه الأوضح تكفي لأن يعرف حقيقة الأحداث التي طوتها الصفحات بين سطورها، وعبر امتداد الأحرف الكثيرة.

لا يعرف ما الذي دفعه اليوم إلي هذا الطريق أو ما الذي دفع الطريق إلي أقدامه، ليلتقي بها ليرى وجهها من جديد بعد كل هذه السنوات الطويلة، لم تتغير و لم تتبدل ولم يصبغ عليها الزمن ألوانه القاتمة، و مازالت ابتسامتها البراقة تشع منها فتنير أروقة المكان وتبعث الدفء في النفوس الحائرة. كما هي كعهده بها و لكنها ليست بمفردها كما تمنى أن يراها بل بصحبة طفلين في غاية الجمال و البراءة ..و...!! نعم أنه هو..!! يعرفه جيداً أنه أحد الزملاء بالجامعة ولكن لماذا اختارت هذا الرجل ..!! لم يكن ثرياً و لم يكن متفوقاً بأي شيء ..!! فلماذا ...!!!؟ تردد هذا السؤال داخل نفسه وهو يسابق خطواته في الوصول إليها قبل أن تتواري بين الحشد الكبير و أخيراً وصل إلي مقصده، و نظر إليها و نظرت إليه، وكأنهما يسترجعا معاً ما مضى من ذكريات مر عليها أكثر من خمسة عشر عاماً..!! ومابين ترحيب الصديق سابقاً والزوج حالياً و ما بين مداعبة الأطفال كانت لغة العيون تتحدث ..!! و لا يعرف هل كان حظه طيب أم عاثر عندما أعلن رنين الهاتف النقال للزوج عن نفسه ليبعده خطوات قليلة و لكنها كانت كافيه ليضع سؤال واحد و هو " لماذا ؟" وكانت إجابتها " كنت أريد حناناً يحتويني و طمأنينة أرتاح في ظلها فتحميني من لهيب الأيام وقسوتها و لم أكن أريد أية أموال و لكنك لم تفهم هذا أبداً و مشيت وراء رؤاك الأوضح ...". تفجرت الثورة و أعلن البركان عصيانه و لفظ كل حمم الرؤى لتشعل هذا الفضاء الشاسع المظلم بداخله، حتى بعد أن رحل الجميع ظل هو أسير تلك اللحظات لا تفارق مخيلته ..!!

" سيدي " كلمة خرجت من مدير أعماله لتخرجه من صمته، فيلتفت إلي الوراء ليجد جميع مساعدي العمل يقفون معاً وعلي وجههم ارتسمت علامات القلق و الخوف و الترقب، قبل أن يكمل مدير أعماله حديثه و يقول" عفواً سيدي، حدث خطأ ولن يصل الوفد اليوم و هذا خطأي و أنا مستعد لتحمله فلقد كانت رؤيتي خاطئة منذ البداية ". أنتظر الجميع ثورة الغضب المعتادة وعنقوداً من كلمات اللوم المكررة وسيلاً من عبارات التوبيخ القاسية، لكنه رفع رأسه إليهم و لأول مرة يسمح لدمعة صغيرة أن تدور في فلك مقلتيه، وقال " أخي من منا لم يخطئ في رؤية كان يؤمن بها و كان يراها صحيحة و لكن أنظر إلي النور الذي ينبعث دائماً وسط الظلمة ليخفف وطأتها أنها رحمة الله أخي هو وحده الذي لا يخطئ في رؤيته فلا تحزن ".و ما بين علامات الاندهاش و التعجب و الصمت ووسط حالة السكون سأله أحد الحضور " ماذا تقصد بالنور سيدي " لكنه لم يجب فلم يعرف حقاً هل قصد نوراً روحانياً بعث الدفء أخيراً إلي النفس الحائرة و بدد ظلمة روحه أم أنه قصد هذا النور الذي انعكس علي عدسات النظارة المليئة بحبات المطر والقادم من المبني العتيق . لا يعرف..!!.و لكنه كان يعرف شيئاً واحداً و هو أن يتجه إلي هذا المبنى ليميت كل حمم الرؤى المشوهة بلمسات الحب و ضحكات البراءة، ..... و كانت هذه هي حقاً .....الرؤية الأوضح ....

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الخميس أكتوبر 23, 2008 12:15 pm

هل يصمد الحب دائما

لم تصدق نفسها و الصديقة تخبرها بأن زوجها لن يحضر إلى النيابة و يقف معها و ارتسمت كل علامات الدهشة و التعجب على وجهها حين أخبرتها نفس الصديقة بأن الزوج لا يصدقها و لا يقتنع بكلامها.
تهاوت تلك المرأة على المقعد الخشبي المجاور لغرفة التحقيق و انهمرت دموعها و هي لا تصدق أن شريك حياتها قد تركها وحيدة و لم يقتنع ببراءتها و استسلم لرواية كاذبة غير حقيقية راحت هي ضحيتها .
وضعت يديها على وجهها و هي لا تتحمل الصدمة المدوية التي تلقتها من الزوج و حينما هدأت الثورة و أزاحت يديها بعيداً عن وجهها لم تجد هذه الصديقة، التي تركتها و انصرفت و كأنها هي الأخرى لا تريد الوقوف بجانبها.
ظلت تلك المرأة صامتة تماماً و كأنها تحت تأثير مخدر قوي المفعول و فجأة قامت الثورة و تأججت النيران بداخلها عندما أبصرت هذا الرجل الوسيم الذي جاء إلى النيابة و قفزت من مقعدها و هي تحاول الهجوم عليه و لكن رجال الأمن منعوها و أبعدوها.
تأملت وجهه و عيونه الزرقاء، نعم .. هي نفس العيون الزرقاء التي كان ينظر بها دوماً إليها في العمل، فهو العميل الهام في هذه الشركة الكبرى التي تعمل بها، و كثيراً ما تحدثا بحكم العمل المشترك الذي يجمع بينهما.
تلك الشركة التي تمنت دوماً أن تعمل بها لعدة أسباب منها ما يتعلق ببيتها حيث زيادة الدخل و منها ما يتعلق بقدراتها حيث كانت ترى نفسها دوماً امرأة ذات قدرات وظيفية كبيرة و لعل تفوقها الملحوظ و الذي حققته في الأعمال السابقة هو أكبر دليل على هذا و من المؤكد أيضاً أنه كان الطريق الذهبي لدخولها هذه الشركة الحلم.
تذكرت أول أيامها في الشركة و تذكرت كيف كانت فرحتها طاغية و كيف كان زوجها في غاية السعادة و هو يشاركها نفس الفرحة و لم تنس أبداً طفلها الصغير الذي لم يكن قد تجاوز الثانية من عمره بعد في هذا الوقت و كيف كانت تطير به فرحاً و رقصاً في كل أنحاء الشقة بعد أن عرفت أنها ستصبح موظفة في هذه الشركة.
بدأت العمل و بدأ مشوار التفوق و شهد لها الجميع بذلك و مرت السنة الأولى من العمل و هي تحقق نجاحاً تلو الآخر، و تعرفت على معظم من بالشركة و لم تنس أبداً هذه الصديقة، كانت هذه الصديقة من نوع مختلف من الأصدقاء فقد كانت ثرية و تبدو ملامح الثراء الواسع من خلال ملابسها الأنيقة الغالية الثمن التي تكشف الكثير من جسدها و خصوصاً و هي تستقل سيارتها الفاخرة .
لم تتوقع أن ترتبط بمثل هذه الصديقة فهي مختلفة عنها كل الاختلاف و لكن شيء بداخلها دفعها لأن تغزو عالمها، و ربما ساعدت الظروف في هذا الأمر عندما عملتا سوياً في نفس القسم .
كانت هذه الصديقة دوماً تلومها على ملابسها و تصفها بأنها ترتدي ملابس من العصر القديم و بأنها امرأة متحجرة لا حياة فيها و بأن عليها أن تفهم أن المرأة لا تكون امرأة إلا إذا سقط الرجال أمامها خاضعين و هذا لن يتحقق إلا بطريقة واحدة و هي أن تصبح أنثي مجرد أنثي شاغلها أنثوتها.
لم تلق كلمات الصديقة صدى في نفسها لكنها و مع الوقت و مع ما رأته في الشركة من مناظر بدأت أحلام الأنثى تراودها و بدأت الملابس التي تظهر مفاتن الأنوثة تطل عليها و لو في أحلامها و خصوصاً و أن عمرها لم يكن قد تجاوز الخامسة و العشرين و الجمال يرسم خطوط رائعة على وجهها بكل الألوان.
لم تتوقف محاولات الصديقة عند هذا الحد و أخبرتها بضرورة أن تعامل أي رجل بشكل أكثر حرية لأن هذا العصر هو عصر الحرية و المساواة بين الرجل و المرأة و كانت هذه الصديقة ترى المساواة بشكل آخر.
" و ما هو المانع أن تذهبي إليه " لم تنس هذه العبارة التي خرجت من صديقتها و هي تعنفها على رفض فكرة الذهاب إلى عميل هام و الاطمئنان عليه بسبب مرضه.
كان هذا العميل هو نفسه صاحب العيون الزرقاء و هو أيضاً الرجل الذي دأب دوماً على مداعبة بواطن الأنوثة بداخلها بكلماته القاتلة .
كانت الصديقة تقنعها بأن العلاقات الشخصية مع العملاء المهمين أمر هام و أن الإنسان ما هو إلا مجموعة علاقات هامة تفيده في حياته و أمام كل هذا الضغط وافقت و ذهبت إليه أخيراً .
دخلت من باب الفيلا الرائعة و قابلها الخادم بترحاب شديد ثم دعاها إلى زيارة العميل الذي كان قد تعافى تماماً من مرضه.
كوب من العصير و دقائق معدودة تمر و تهاوت المرأة تماماً و تهاوى معها شرفها، فلقد أعد صاحب العيون الزرقاء كل شيء بدقه و قام بصرف الخادم و وضع المخدر في الكوب و من قبل هو من دعاها إلى زيارته في بيته الذي يجلس به وحيداً لكي يحقق شيء لم ينله عبر عبارات غزل و إغراءات مال طيلة الفترة الماضية .
استيقظت بعد ساعتين لتجد نفسها مقيدة و مرت لحظة قصيرة من الصمت و هي تدور بمقلتيها لتتأمل هذا الحلم الأسود قبل أن تحاول الصراخ و لكنه أمسك فمها و أخبرها بأنه سيفضحها و سيخبر الجميع بأنها جاءت معه بإرادتها و من أجل قليل من المال و هددها بقتل صغيرها، و تهديد مستقبل زوجها0 و أخبرها بأنه سيصمت إذا ما أغلقت فمها.
دقائق تتوالى و صرخات تدوي في داخلها و بقايا التهديدات التي أطلقها هذا الرجل تجوب أرجاء عقلها و تخترق قلبها بقوة و قررت الصمت و هي ترى فيه الخلاص من كل القيود سواء التي تقيد جسدها أو تلك القيود التي تفرضها التهديدات .
تحررت من قيودها و ارتدت بقايا ملابسها و ظلت فترة تحاول أن تلم شتات نفسها و هي تعلم أنها أصبحت بقايا امرأة لن تعود أبداً كما كانت ثم خرجت من الفيلا و هي لا تصدق نفسها و أسرعت إلى منزلها و هي تكاد تتهاوى و ما أن أغلقت باب شقتها حتى دخلت إلى غرفتها و سقطت.
لم تدر كم من الوقت مر عليها و لكنها أفاقت قبل ميعاد عودة زوجها عند الغروب بينما كان الصغير عند أمها، و قبل أن تتهاوى مرة ثانية ذهبت إلى النيابة و أبلغت بالحادثة و تناست كل التهديدات التي قيلت لها و تذكرت كرامة المرأة التي ضاعت.
اتهمها العميل بأنها جاءت بإرادتها و علل هذا بأنها جاءت إليه في بيته و ظلت الاتهامات تتوالى و لكن كل هذا لم يهم هذه المرأة بقدر ما تهاوت الآلاف المرات عندما لم يصدقها زوجها و خصوصاً أنه لمح في الفترة الأخيرة تغير في طريقتها و لبسها و اقتنع بخيانتها له، و لم تكن في حاجة لأن تعرف رأي الناس فيها الآن و لكنها كانت دائماً تردد سؤال " لماذا لم يصمد الحب في وجه الشك الذي ضرب زوجها بقوة و انتصر عليه.
- ماذا بكِ
تنبهت هذه المرأة إلى هذا الصوت و هو يحدثها و حدقت بقوة في المتحدث قبل أن يعاود حديثه:
- سألتكِ ماذا بكِ أراكِ في حالة من الشرود أم أنكِ كنتِ تحلمين .؟
نظرت المرأة حولها و تأملت المكتب الأنيق في هذه الشركة الكبرى و تراجعت بالمقعد إلى الوراء و هي لا تصدق بأنها كانت في حالة من الشرود و الحلم و أن ما مر بها هو كابوس ثم نظرت إلي المتحدث و الذي لم يكن سوى تلك الصديقة و قالت :
- ماذا تريدين .؟؟
زفرت صديقتها في ضيق و قالت لها :
- قلت لكِ من قبل أن تشردي أن العميل "........" مريض و أريدكِ أن تزوريه فالعلاقات الاجتماعية مع علية القوم أمر هام و وقت العمل انتهى الآن و يمكنكِ زيارته.
قامت من معقدها بعنف و حملت حقيبتها و قالت للصديقة :
- أنا لا أزور العملاء في بيوتهم و لا يمكن أن اسمح لنفسي أبداً بزيارة رجل في بيته.
ردت عليها الصديقة بقوة :
- و لكن العلاقات .....
قاطعتها بقوة أكبر و قالت لها :
هناك علاقة هامة بل هي أهم علاقة يجب أن أحرص عليها، و لا أحسبكِ تعرفينها.
انطلقت إلى خارج المكتب و هي تنظر إلى صورة لفظ الجلالة التي تزين الردهة الواسعة للشركة الكبرى و عندما انعكست صورتها على زجاج باب الخروج توقفت لتتأمل ملابسها المحترمة و ابتسمت في سعادة لأن المرأة المتمردة بداخلها سقطت في النهاية و لم تنتصر و لا تعرف هل كانت في حلم أم أنه صراع عايشته للحظات، و لم تنس أن ترفع الهاتف النقال و تتصل بزوجها و ما أن جاءها صوته حتى قالت له :
- أحبك ....
كان هناك شيء واحد يتردد صداه من هذا الكابوس الرهيب و هو " لماذا لم يصمد الحب " و أدركت أن الحب حتماً سيصمد إذا حرص كلاً من الحبيبين على عدم الخوض في سبل قد تدنسه يوماً ما.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الإثنين أكتوبر 27, 2008 2:37 pm

ربما كانت تحتاج إلى .... ؟؟؟

جلس و هو في حالة من التفكير العميق على ذلك المقعد الخشبي المتهالك بداخل الحديقة العامة بينما كانت أشعة الشمس الحارقة تلقي بنارها على رأسه و لكنه لم يشعر لأن النار التي تتأجج بداخله كانت أشد وطأة من نار الشمس و حرقتها، فهو لا يعرف ماذا يفعل و لا يعرف كيف يحل هذه المشكلة التي قد تطيح بحياته كلها.
" لماذا عدت اليوم مبكراً على غير العادة .؟؟" هكذا سأل نفسه هذا السؤال و هو يهز رأسه من شدة الضيق، فهوعادة ً يعود من عمله في الرابعة عصراً و اليوم عاد مبكراً عن ميعاده بثلاث ساعات لأنه شعر بالإرهاق ، و ذهب إلى بيته و دخل المنزل و لم تنتبه زوجته إلى أنه قد عاد و ذلك لأنها كانت تتحدث في الهاتف مع والدتها بغرفة بعيدة عن الباب و لم تتوقع عودته في هذا الوقت المبكر و سمعها و هي تحكي عن تفاصيل مشادة الأمس بينه و بينها و التي نشبت بسبب مصروف البيت، حيث كانت تتحدث بالتفصيل و تنقل لوالدتها كل الأخبار، بينما هو يسمع الحوار بغيظ شديد و لولا بقية من عقل تميز به دوماً لحدث ما لا يحمد عقباه.
خرج من المنزل سريعاً دون أن يُحدث صوت، و هو يحترق غضباً و غيظاً فهو يعرف مدى ارتباط زوجته بأهلها و مدى تأثير والدتها بالأخص عليها و كم خلقت هذه المسائل مشاكل عديدة لدرجة أن زوجته تركت البيت كثيراً بسبب هذه المشاكل و في أحيان أخرى كان يرفض وجود أهلها في بيته.
رفع رأسه إلى السماء و ووضع يده ليحمي عينيه من أشعة الشمس و قال " ماذا حدث لقد تغيرت هذه المرأة كثيراً ؟؟ "، فهو يراها في صورة مختلفة عن تلك الفتاة التي أحبها في الجامعة و نشأت بينهما قصة حب كان كل من يعرفها يشهد بطهرها و روعتها، هي زميلته عام بعام و كانت كل الأحلام تنحصر في الزواج ، و بالفعل تم هذا الزواج بعد ثلاثة أعوام من التخرج كان يبحث فيها عن العمل المستقر و توفير متطلبات الزيجة، و بعد الزواج أخذ يعمل و يعمل من أجل أن يوفر لها حياة كريمة.
كانت ظروفه المعيشية صعبة فهو يعمل دائماً و بعد مرور عام و نصف العام من الزواج جاءت طفلته الأولى و أصبح الضغط عليه كبير فظل يعمل و يجتهد و لم ينس أبداً أن المشاكل بدأت منذ هذا الحين عندما كان دائماً ينتقدها بسبب إهمالها لحقوقه و عدم تقديرها لمتاعبه و كانت دائماً ترفض هذه الانتقادات و تؤكد أنه هو الذي تغير و لم يعد يحبها كما كان.
بعد طفلته الأولى بثلاث سنوات جاء طفل آخر و تزايدت الضغوط المالية عليه، و مع هذه الضغوط ضاعت حلقة الوصل بينه و بين زوجته و أصبحت المشاكل لا تُطاق و بدأت الزوجة تترك البيت غاضبة، و عندها بدأ أهلها بالتدخل و زادت رقعة المشاكل بينهم بسبب هذا التدخل .
كرة من المطاط ارتطمت بقدمه و هو جالس على المقعد الخشبي و أخرجته من حالة التفكير العميق و سمع صوت طفل صغير يطلب منه إعادتها فقام بالتقاطها و أعادها إلى الطفل و سرعان ما أمسك الصغير بالكرة و راح يقذفها لوالده و والدته و شقيقه الكبير و وجد الجميع في حالة سعادة كبيرة و لاحظ أن الطفل الكبير معاق ذهنياً و لم يكن من الصعب أن يصل إلى مسامعه أصواتهم حيث سمع الزوج ينادي على زوجته بـ " حبيبتي " طوال الوقت و بعد نصف ساعة توقف الجميع عن اللعب و لكن لم تتوقف الضحكات و اتجهوا إلى دراجة بخارية من النوع البسيط – الفسبا – و قادها الزوج و هو يضع الطفل الكبير أمامه بينما جلست الزوجة إلى الوراء و أجلست الصغير على رجلها و لم ينس الصغير أن يقبض بقوة على كرته المطاطية.
ظل يتتبعهم بنظراته حتى غابوا عن عينه ثم نظر إلى الوراء و رأي سيارته البسيطة و هي قابعة بجوار الحديقة و تساءل في نفسه " منذ متى لم أخرج مع زوجتي في نزهة ؟؟ و حتى و إن خرجنا فهل كانت نفس الضحكات الصافية التي أراها الآن موجودة ..!!! ".
" لماذا لم أنتبه لهذا الأمر " قال هذه الكلمات بصوت مسموع حتى أن رواد الحديقة ممن كانوا بجواره التفتوا إليه، فشعر بحرج شديد و توجه لسيارته و هو يفكر بتلك الأسباب التي جعلت زوجته تفقد الأمان معه و لا تشعر به إلا مع أهلها0
فهي لم تنقل أخبار حياتهما إلا في السنوات الأخيرة وتساءل ماذا كانت تحتاج زوجته، أما هو فقد كان يحتاج إلى أن يرى هذا المشهد بعينيه فربما لو نصحه أحد لما التفت لنصيحته و لكن شاءت الأقدار أن يرى هذا المشهد.
وصل إلى المنزل و أخذ حقيبته و كأنه مازال عائداً من العمل و لم يفتح الباب بالمفتاح و لكنه رن الجرس بشكل أحدث نغمة جميلة و سرعان ما فتحت زوجته الباب و ما أن دخل حتى وجدها مرتبكة و هي تقول :
- عفواً لم أتوقع عودتك مبكراً و لكن الطعام سوف يكون حاضر بعد نصف ساعة.
كانت تتوقع كلمات لوم على إهمالها له و لكنه أمسك يديها و طبع قبلة حانية على كفيها و قال :
- سوف أشارككِ تحضير الطعام.
نظرت إليه بتعجب شديد و لم تستطع أن تقول شيء من هول المفاجأة، أما هو فقد ابتسم و قال بهدوء :
- هل تعرفين أن طعم البصل على يديكِ أكثر روعة من نكهته بداخل الطعام.
تنبهت إلى أن يديها مليئة بالبصل فمسحتهما في رداءها و لمعت دمعة في عينيها و همت أن تقول شيء و لكنه قال لها و هو يقبلها:
- أحبكِ
ربما أدرك الآن أن زوجته كانت تحتاج فقط إلى كلمة حب حتى تستعيد ثقتها به، صحيح أن كلمة حب واحدة لا تكفي و لكنها البداية لكي يستعيدا سوياً حياتهما.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الجمعة أكتوبر 31, 2008 6:46 am

من منا سوف يموت اليوم يا صغيري ؟؟؟

- هذا اليوم ؟؟ بماذا يختلف عن غيره من الأيام ؟؟ لا شيء.
سأل نفسه هذا السؤال و هو يركب سيارته في هذا الصباح و يتجه إلى العمل فكل شيء كما هو، مشادة مع زوجته على أي شيء،عمل لا يحبه و لكنه يدر مال وفير، أصدقاء فرقتهم الأيام و المشاغل و أصبح لا يجدهم، حالة ممتدة من السخط ثم السخط ثم السخط رغم سنوات عمره الثلاثين ...
وصلت السيارة إلى مقر العمل، و قبل أن ينزل منها، تأمل هذا الطفل الصغير الذي يجلس على الرصيف و هو يضع القليل من المناديل الورقية و يستعد لبيعها بينما يمسك بكراسه و يكتب بقلمه كلمات عديدة.
تعود على رؤية هذا المنظر يومياً و منذ أكثر من أربعة اشهر، بل أنه في يوم ٍ ما و منذ ثلاثة اشهر تقريباً تقدم ناحية هذا الطفل الصغير و تعلل بأنه سوف يشتري علبة مناديل، فقد كان يريد أن يعرف ماذا يفعل طفل مثله بالكراسة و القلم ؟؟، و رآه يكتب عدة كلمات و يعيدها مراراً و تكراراً لدرجة أنه أثار رغبته في أن يفهم ماذا يكتب هذا الطفل، فتقدم منه و سأله عما يفعله، و لا يعرف لم شعر الصغير بالخوف منه ؟؟ و لم قام باحتضان كراسته و قلمه بقوة ؟؟ و كأنه يخشى عليهم أكثر مما يخشى على نفسه ... لم يتضايق ... فهو طفل صغير لم يبلغ الثامنة بعد، و بعد أن طمأنه إلى أنه فقط يريد أن يفهم ماذا يحدث ؟؟ أخبره الصغير بأن شقيقه الأكبر قد حصل على قسط بسيط من التعليم و أنه يتعلم منه بعض الكلمات البسيطة، و أخبره أنه يعشق القراءة و الكتابة و لكن فقر أسرته و وفاة والده جعله لا يحقق حلم الدراسة فحاول تحقيق حلم التعليم.
منذ هذا اللقاء أصبح يحرص على الاطمئنان على أحوال الصغير بشكل يومي و ارتبط به جداً ، و ذات يوم قام بشراء كراسة و عدة أقلام ملونة و أعطاهم له و كتب له عدة كلمات و طلب منه أن يتعلمها و رأى شيئاً غريباً.!!ً فقد حرص الصغير على أن يكتب كلمة " يا رب " في مقدمة كل الصفحات، و قبل أن يبدأ في كتابة أي شيء.
كان يرى في الصغير نقاء النفس رغم ملابسه الرثة، والعزيمة رغم صغر سنه، و الرضا بكل شيء رغم فقره و جلوسه طيلة النهار على الرصيف من أجل بضعة جنيهات قليلة.. كان يرى فيه ما يفتقده في نفسه ...!!! و أيضاً كان يرى فيه ابناً لم يشأ الله أن يرزقه به بعد رغم زواجه منذ عدة سنوات.
أفاق من تأمله و نزل من السيارة و أتجه صوب الصغير و أعطاه كراسة جديدة و عدة أقلام و رأى فرحة كبيرة في عينيه و كالعادة قام بشراء علبة مناديل، ثم صعد إلى مكتبه و بدأ في ممارسة عمله و كل شيء كالمعتاد بداية من رسائل البريد التي ستصله الآن إلى دفتر المواعيد إلى لوم أصدقائه في العمل على التأخير أو أي شيء، و نصائحهم له بأن الحياة معركة و أن عليه أن يكون أكثر شراسة في هذه الغابة البشرية.
مرت ساعة كاملة و المكتب في حالة تأهب فبعد قليل سوف يأتي وفد أجنبي هام، و كل شيء على أهبة الاستعداد و فجأة ....!!! سمع صوت ارتطام و صرير عجلات سيارة و صراخ و هرج و مرج 000و لا يعرف ما الذي جعله ينتفض من مقعده و يجرى ناحية الشباك و شاهد الصغير ... و لكنه لم يكن ممسكاً بكراسته و أقلامه بل كان غارقاً في دمائه ..!!!
نزل من عمله كالمجنون و هو يسابق خطواته و ذهب صوب الصغير و حمله بين ذراعيه و عرف أن سيارة ضالة قد صدمته و هو يعبر الشارع، لم يشعر بأنه يحمل طفل لم يبلغ الثامنة من عمره بعد، بل شعر بأنه يحمل بين ذراعيه قطعة من أرض مصر الطيبة، يحمل حلم النقاء و الرضا و الأمل .اتجه به نحو السيارة و توجه فورا إلى المستشفى، و سرعان ما بدأ العمل من أجل إنقاذ هذه القطعة الطيبة من أرض مصر.
لحظات و وجد الأطباء يُحضرون له الكراسة و يقولون أنهم وجدوها بداخل ملابس الطفل، لم يصدق نفسه و تساءل، لهذه الدرجة كان الصغير يرى في هذه الوريقات البسيطة حلم و كان يحرص عليه ؟؟؟ لهذه الدرجة كان الصغير يحقق سعادته من وراء كلمات بسيطة على هذا الورق ؟؟؟ لهذه الدرجة كان يرفض أن يترك حلمه و يبتعد عنه ؟؟؟ فتح الكراسة و وجد كلمة " يارب " مكتوبة بخط الصغير الطفولي على كل الصفحات، و تحوطها كمية كبيرة من الدماء.
لم يبك في حياته كلها مثلما بكى في هذه اللحظة ..!!! بل أنه سقط على الأرض و هو يبكي و يقبض على الكراسة بقوة، و مرت عدة ساعات و الأطباء يحاولون و دموعه تتوقف ثم تهاجمه من جديد، و رأى طبيب يجري نحو غرفة الإنعاش فسأله عن الحالة فأخبره أن الطفل في حال سيء و أنه قد يموت ؟؟
" من منا سوف يموت اليوم يا صغيري ؟؟؟ " هكذا سأل نفسه هذا السؤال، فبعض الأنفاس حين تتوقف لا تعني موت أصحابها و لكنها قد تعني موت الآخرين، فهناك موت بمعنى الحياة و هناك حياة لا تعني سوى الموت .
ماذا يفعل ؟؟ دار حول نفسه، و تملكه يأس شديد و شعور بالعجز .. و فجأة وجد كلمة " يا رب " الموجودة على الكراسة تتجسد أمامه، و تنبه إلى ما يجب أن يفعله، لقد دله هذا الصغير على الطريق الصحيح، و في هذه اللحظة جاءه صوت آذان الظهر، و رأى أقدامه تتجه نحو الجامع الصغير الموجود بجوار المستشفي و بدأ الصلاة مع المصلين، و كل حياته من سخط و غضب و صراع و مال كانت تمر بخاطره بين الركعة و الأخرى، و عند الركعة الأخيرة انهمرت دموعه بغزارة، لدرجة أن المصلين قد قاموا بينما ظل هو لا يقوى على القيام، و وسط دموعه، كان يدعو للصغير و لنفسه و لكل من أصابه ظلم أو قهر أو مرض أو زادت آثامه أو ضل عن طريقه .. لم يتجه إلى الله بهذا الصدق و الخشوع من قبل ..لدرجة أنه تصور أن لسانه قد توقف بينما قلبه هو الذي يتحدث.
عاد إلى المستشفي بعد حوالي ساعة قضاها في الجامع بين الصلاة و الدعاء و قراءة القرآن و تشبث بالكراسة و كأنه يستمد منها القوة و اتجه إلى الطبيب و كلمة " يا رب " تتردد بداخله و جاءت الكلمات لتخبره .. أن الأمور تتحسن و أن الطفل سوف ينجو بمشيئة الله تعالى.
لم يشعر بنصر في حياته كلها مثلما شعر به الآن، لم يشعر بطعم الفرح و الرضا و الهدوء النفسي مثلما شعر به في هذه اللحظة، كان يشعر أن الله بجواره، و لأول مرة يشعر بأنه قد تطهر من كل آثامه و خطاياه، بكى بقوة و كأنه بدموعه يريد أن يغسل روحه، و كأنه بدموعه يريد أن يستعيد نفسه من جديد.
لمح صديقه في العمل يقترب منه و على وجهه كل إمارات الغضب و هو يخبره بأنه قد ذاق الويل من أجل الوصول إلى المستشفي و أخبره أن الوفد الأجنبي قد جاء و رحل و هو غاضب جداً لأنه لم يجده.
لم يسمع كلمات صديقه و اتجه إلى نافذة المستشفى و نظر للخارج، صوب الجامع الصغير و وجد أنه كان مخطئ حينما تصور أن هذا اليوم لا يختلف عن بقية الأيام، بل أنه يختلف و بقوة ... بل أنه أهم أيام عمره ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
The President
رئيس الدولــة
رئيس الدولــة
avatar

عدد الرسائل : 1589
تاريخ التسجيل : 05/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: " منشورات قصصية "   الإثنين نوفمبر 03, 2008 3:26 pm

القارب الخشبي يبحر إلى الشمال

ما زال يمشي بصعوبة شديدة على الرمال يحاول جاهداً أن يتغلب على كثافتها بينما يرسل الغروب ضوء خافت على الشاطئ ليعطي لوناً دافئاً لا يتوافق مع الرياح الباردة القاسية التي تضرب كل هذا الفراغ الشاسع من الشاطئ و ترقص من هول قوتها مياه البحر لترسل الموجة تلو الموجة بقوة كبيرة و كأنها كتائب جيش تغزو الرمال بعنف و بشكل متواصل لا هوادة فيه، , و لكنه ما زال يسير و نظره لا يكاد يبصر سوى بناء خشبي متهالك يقبع على الرمال و يتحدى بكهولة ألواحه الخشبية قوة الرياح و غزوات الأمواج .
وصلت الخطوات المتعثرة البطيئة إلى القارب الخشبي و بهدوء شديد مد يده و أزاح طبقات من رمال متعلقة بجانب القارب لتظهر أمامه أحرف غير واضحة، لم يكن يحتاج إلى أن يميزها أو إلى أن يتعاظم دور الغروب و يرسل المزيد من أشعته الباهتة لينير الحروف قليلاً، لم يكن يحتاج إلى كل هذا لأنه و ببساطة كان يعيش هذه الحروف حباً و عشقاً .
ما زال يتذكر أول لقاء معها عند نفس النقطة التي يوجد بها القارب على الرمال و هي تمسك بلوح خشبي و بفرشاة ألوان و تجلس على الرمل الأصفر في صباح يوم دافئ جميل، بينما كان يجري قليلاً على الشاطئ، و رآها تعبث بالألواح و بالألوان و ذلك بالقرب من بقايا قارب متهالك، و تكرر نفس المنظر في اليوم التالي و اليوم الذي يليه حتى أنه أصبح يعتبر هذا المنظر من ملامح صباحه، و كان يتساءل ماذا تفعل هذه الفتاة بمثل هذه الألواح و حاول جاهداً أن يعرف حتى أنه انتظر رحيلها يوماً و راح يتلمس هذه الألواح بهدوء و ما هي إلا لحظات حتى وجد صوت جميل يأتي من خلفه و يسأله عن سبب وجوده بجوار القارب، و لأول مرة يراها عن قرب، فتاة لا يزيد عمرها عن عشرين عام، فيها جمال لا حدود له و صوت عذب يتسلل إلى قلبه و شعر حريري أسود تعانق مع الكثير من حبات الرمال الصفراء و وجه أبيض أكسبته حمرة الشمس دفء و حنان و براءة تتحدث بها لم تشوهها الثياب البسيطة التي تلبسها، كان يتمنى رؤيتها و كان يتمنى أن يسمعها ربما لأنه كان يضع الكثير من علامات الاستفهام حول ما تفعله و ربما لأنه أحس بشيء غريب تجاهها لا يعرف ما هو .! و لكنه ابتعد قليلاً دون أن يتحدث و راقبها و هي تنصرف بعد أن لملمت ألوانها و وضعتها في حقيبتها الكبيرة0
لم تحضر في اليوم التالي و لا اليوم الذي يليه و لم تظهر على الشاطئ و أحس بأنه افتقد شيء هام و ضروري و لكنه لم يعرف ماذا يسميه ؟؟ إلا أنها جاءت في اليوم الثالث و مع مجيئها أحس بشيء غريب يغزو قلبه و بخطوات سريعة تقدم إليها و في هدوء تحدث معها و سألها عما تفعله0 استدارت له و بابتسامة صافية جميلة تحدثت معه و أخبرته أنها ابنة صياد فقير يتمنى أن يصلح هذا القارب الخشبي البسيط ليبحر به حيث الصيد و الرزق، و أنها تساعده من أجل أن يتم هذا الحلم، كان صوتها الدافئ الرائع يُطرب قلبه و يهتز له كل وجدانه .
تكررت اللقاءات عبر الشهور المتتالية و منها عرف كل شيء عنها و عن أسرتها البسيطة و عن حلمها الخاص في أن تبحر بهذا القارب إلى تلك الجزيرة الصخرية الصغيرة الموجودة بالشمال و أحس بأن حبه تسلل بهدوء إلى داخل أعماقها و سكن القلب تماماً بدون أن يواجه معوقات، نظراً لبساطة الفتاة و قلة ثقافتها و ربما لحاجة فتاة بائسة بسيطة مثلها إلى كلمة حب و لكنه لا يعرف لم تسلل حبها بهذا الشكل إلى قلبه 0!؟ و لم أصبحت تلك الفتاة البسيطة هي كل حياته .!؟ ربما لأنه رأى فيها براءة حقيقية دون ألوان الحياة الزائفة و ربما لأنها كانت المرأة بكل حواسها دون أن تعبث بها الأيام و تشوهها .!! ربما كان أي سبب و لكنه كان يعرف أن حبها أصبح حقيقة لا خلاف فيها، و لكنه يعرف أيضاً أن هناك حقائق أخرى لا خلاف فيها مثل الفارق الاجتماعي و الثقافي و التعليمي و خصوصاً أنه المهندس الذي ينتظره المستقبل الباهر بعد أن تخرج من الجامعة منذ ثلاثة سنوات، كان يعرف نظرة المجتمع إلى مثل هذه الزيجات و بسبب هذه النظرة كان يحرص على ألا يراه أحد مع حبيبته لدرجة أنه كان يتجاهلها عندما يراها بصحبة أهلها و كانت ترتضي بهذا لأنها كانت تؤمن بأنه يوماً ما سوف يحملها على ذراعيه و يعلن أمام العالم حبه لها، و تردد هو بين الواقع الذي يعيشه و بين الحب الذي لا يستطيع أن يتجاهله و مع الشهور الطويلة عرف أن ابتعاده عنها أمر مستحيل و قرر أن ينتصر لحبه و لو على جولات، و صارحها برغبته في أن يتزوجها و لكن .
كلمة لكن، تذكرها جيداً و تذكر كيف أنهت الفرحة الكبيرة التي كادت تنطلق من وجهها، و ما أعقبها من كلمات كانت كافية لتقتل هذه الفرحة بعد أن أخبرها أن الزواج سيكون زواجاً عرفياً لا يعلم أحد به حتى يستطيع أن يرتب أموره 0
وافقت بعد فترة تردد، و لم لا !؟؟ و قد كان يمثل لها كل حياتها في وقت كانت حياتها فارغة لا لون لها، فجاء ليعطي لها كل الألوان الرائعة الجميلة المبهجة، و سرعان ما تمت الزيجة.
لم يكن ينوى أبداً خداعها لأنه بالفعل كان يعشقها و يتمنى أن يتزوجها و لكنه فقط أسير لهذا المجتمع الذي يضع في أحيان كثيرة قواعد و قوانين لا تمت للحق بصلة .
مرت عدة شهور و ما زال لا يعرف كيف يواجه هذا الأمر و الأمور تتعقد و أهل الفتاة يشعرون بأن فتاتهم تتصرف بشكل خاطئ بينما هو كان يعرف كيف يُبعد الشبهات عنه حتى جاء اليوم الذي لم يتوقعه أبداً و اكتشفت أسرة الفتاة حقيقة الأمر و نالت الحبيبة من العذاب ما نالت و لكنها رفضت أن تفصح عن اسم حبيبها، تلك الفتاة بسيطة التعليم التي تكاد تعرف القراءة و الكتابة بصعوبة، عرفت كيف تصون عهد حبيبها و سمعته و تحملت ما لم يتحمله بشر، بينما كان هو في صراع غير عادي مع نفسه لا يعرف هل ينتصر لمن أحبته و عشقته و يتحمل نظرات مجتمع لا يرحم أم يتوارى مثل الجبناء خلف عباءة الحماية التي نسجتها حبيبته لتصونه .
ما هي إلا أيام حتى اتجهت خطواته المتعثرة إلى بيت الأسرة البسيط الموجود في أحدى الأزقة القديمة و ما كاد يعرف حقيقة الأمر حتى وقع على ركبتيه باكياً بعد أن عرف أن شقيقها الكبير قد قتلها من اجل الشرف الذي لم تخونه قط، انصرف بهدوء و جلس طيلة أيام طويلة لا يصدق ما حدث و هو يسمع الألسن و قد صنعت من قصتها حكايات تخوض في شرفها و سمعتها0تلك الفتاة التي تحملت العذاب و هي تؤمن بفارسها الذي سوف يحطم القيود و يشهر سيفه من أجلها و لكن فارسها النبيل لم يتحرك فور علمه بالأنباء و لم ترحمها أسرتها و أخذت قرار النهاية لتسقط ضحية لمن أحبته بصدق .
بدأ الفجر في الظهور و اتضحت ملامح القارب الخشبي كثيراً و لم يصدق عندما شعر بأن الليل قد مر عليه كاملاً دون أن يدرك ذلك و قبل أن تأخذه الذكرى مرة أخرى كان هناك خيال قادم من بعيد و ما هي إلا لحظات حتى ظهرت أسرة الفتاة و سرعان ما تقدم والد الفتاة و هم بتقبيل يده و هو يشكره على هذا المعروف الكبير بإصلاح القارب الخشبي و بإنقاذ مستقبل أسرته بعد أن كاد يضيع تحت أقدام العار، كان الأب يراه رجل عظيم يعطف على أسرة بائسة..!
كان يسمع دعوات الأسرة له و يتساءل، ماذا لو علموا بأنني من قتلت ابنتهم ؟؟ و أن إصلاح هذا القارب الصغير لا يعدو أكثر من مجرد محاولة للتخلص من ذنب لن ينتهي أبداً ؟؟ و ماذا لو مد احدهم يده في جيبي و رأى ورقة الزواج العرفي ؟؟
نظر إلى الأسرة و هي تتلمس أولى خطوات السعادة بعد رحلة حزن لن تنتهي جراحها و لمح القارب الخشبي وهو يبحر إلى الشمال و قد هدأت ثورة الرياح و استكانت مياه البحر كثيراً ليأخذ القارب طريقه كما كانت تتمنى حبيبته، صحيح أنها كانت تتمنى أن يرافقها في هذه الرحلة و لكنه لم و لن يستطع بعد أن قتلها في حبه.
نظر إلى السماء و قال لنفسه و دموع عينيه تتساقط :
- حبيبتي لقد أبحر القارب إلى الشمال، لقد انتصرت لكِ هنا بعد أن خذلتكِ في كل حياتك و حتى في موتكِ، حبيبتي إن كنتِ تسمعيني الآن سأطلب منكِ طلب أتمنى أن تحققيه لي .. سأطلب منكِ ألا تسامحيني أبداً .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
" منشورات قصصية "
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
 مواضيع مماثلة
-
» فوائد الفلفل البارد او "الفلفل الرومي"
» حقيبة فاخرة لنقــل " كأس العـــالم " الذهبيــة إلى جنوب افريقـــيــا
» "} رمزيات متحركه {"
» اسئله غبيه بس تضحك: برعاية " شلة عاشقات امو ".
» "عجائب ماء زمزم".

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دولـــــــة عيـــــال مجنونـــــــة :: -(( الصحافة المدرسية للناس المهلبيــة ))- :: قصص ومسلسلات يوميــة-
انتقل الى: